الصفحة 88 من 108

فأكملها أو أصلحها بابتداعه، أو موضع من يرى: أن الرسول الذي اصطفاه الله لتبليغ دينه، قد قصر فيما أمر بتبليغه، وحجز عن عباد الله بعض ما يقربهم إليه.

ولقد كان هذا الابتداع هو السبب الوحيد في نسيان الأمم السابقة شرائع الله وأحكامه، هو السبب الوحيد في اندراس العقائد والعبادات، وفي التحلل من قيود الحل والحرمة، وانتزاع التدين من القلوب، وبذلك انقطعت صلتهم بالخالق، وصار أساس التعامل بينهم القوة الغاشمة، والطغيان المزري بالإنسانية.

هذا وقد جرت على ألسنتنا من قديم كلمة «بدعة» وأخذها البعض عامة في العبادات والعادات، وحرموا باسمها كثيرًا من العادات الطيبة، ووسائل الحياة القوية، وأهدر بعض آخر قيمتها باسم حرية الرأي، وامتدت إلى العقيدة فأفسدتها، وإلى العبادة فحرفتها أو أهملتها، واستباح المنتسب للإسلام بهذا الوهم الخادع، أن يعتقد ما يشاء، وأن يعبد أو لا يعبد كما يشاء.

وتبعًا لاختلاف المنتسبين إلى الدين في هذا الموقف، اختلفت الأمة على نفسها، وصارت شيعًا وأحزابًا، لا أقول في الإقليم والإقليم، وإنما نرى في الإقليم الواحد، ونسمع طعن المتدينين بعضهم في بعض: بالإلحاد والزندقة، والتزمت والجمود، وبذلك تفرقت القلوب وضعفت الوحدة، وتعرض الدين للتلاشي، كما تعرض له من قبل.

فهل لعلمائنا الفاقهين الذين يؤمنون بالعاقبة السيئة لهذا التفرق، ولزعمائنا الغيورين الذين يعملون في الجوانب السياسية والاقتصادية والحربية على التركيز وتوحيد الكلمة والمنهج، هل لهم جميعًا أن ينظروا إلى هذا الجانب الديني أيضًا، ويعملوا بإيمانهم وحكمتهم على إحيائه سليمًا نقيًا، وعلى وحدة المسلمين فيه، والرجوع بهم إلى المحجة البيضاء، التي تركها الرسول وظلت قائمة بمصادرها الخالدة من كتاب وسنة؟؟

هذا ما أرجو أن يعمل عليه الزعماء والعلماء، حتى يحققوا للإسلام والمسلمين الوحدة التي رسم الله، ويفوزوا بتوفيقه ورضاه {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [1] .

(1) الأنعام: 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت