للعقل الإنساني حريته في هذا الجانب كله ولم يأمره إلا بالبحث والنظر، والكد والعمل بقصد الإصلاح والتعمير {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [1] .
وقد كان كل ما أخذ به الأمم السابقة، وقبحه منهم ونعاه عليهم خاصًا بالابتداع في العقائد والعبادات، والحل والحرمة، ولم يكن شيء منه مما يتصل بزينة الحياة التي أخرج لعباده، أو بنموها وتقدمها، فهو لم ينكر مثلًا على أهل سبأ أن يكون لهم جنتان عن يمين وشمال، ولم ينكر على قارون أن كان له من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة.
بل نرى في القرآن الكريم امتنانه سبحانه على داود بإلانة الحديد له، ونرى أمره إياه بصنع الدروع السابغة الواقية، ثم نراه سبحانه يرضى عن دعوة سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [2] ، ويفسح له مجالها فيسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ويسيل له عين القطر، ويسخر له الجن، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات، ثم يطمعه في المزيد ويغريه بالعمل {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [3] .
نعم لم ينكر الله على أحد من خلقه ابتداع شيء من متع الحياة الطيبة، ولا من وسائل قوتها واتساع عمرانها، وإنما كان الذي أنكره، ابتداع الناس فيما بين ورسم، وتعبد به عباده في العقيدة والعمل، والحل والحرمة.
أنكر على من تخيلوا أن في بعض المخلوقات روحًا من ألوهية الله، بها كان في نظرهم إلهًا أو بعض إله، وبها استحق أن يعبد، وأن يشفع عند الله، وأن يقرب إليه زلفى. وأنكر على من غيروا وبدلوا في رسوم العبادة وكيفيتها، فعبدوا بما لم يشرع، وغيروا فيما شرع؛ فكانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وطافوا به عرايا، وحرموا ما احل الله، وقالوا: {هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ} [4] .
هذا وحده هو الابتداع في الدين، هو الابتداع الذي يخرج به المؤمن عن دائرة الرسالة الإلهية، هو الابتداع الذي يغتصب به المبتدع حق الله في تشريع هو له وحده، هو الابتداع الذي به يضع المبتدع نفسه موضع من يرى أن العبادات أو العقائد، التي رسمها الله ليتقرب بها العباد إليه، ناقصة أو فاسدة،
(1) البقرة: 220.
(2) ص: 35.
(3) سبأ: 13.
(4) الأنعام: 138.