أمر بتحصيلها عن طريق التجارة وبالرحلة اليمنية والشامية اللتين يسرهما الله لقريش في تجارتها يمنّ عليهم ويذكرهم بفضله ونعمته {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ، رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [1] وأمر بتحصيلها عن طريق الزراعة التي بها حياة الأرض واستثمارها، وفي لفت الأنظار إلى نعمة الله بإعداد الأرض للزراعة يقول القرآن الكريم: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [2] .
وأمر بتحصيلها عن طريق الصناعة، والصناعة أقوى العمد التي تقوم عليها الحضارات، وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى جملة من الصناعات التي لا بد منها في الحياة، فيه الإشارة إلى صناعات الحديد {فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [3] . والإشارة إلى صناعة الملابس، {قَدْ أَنزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} [4] وإلى صناعة القصور والمباني {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [5] ، وهكذا يجد المتتبع لإيحاءات القرآن كثيرًا من التنويه بشأن الصناعات على اختلاف أنواعها.
أمر القرآن بتحصيل الأموال عن هذه الطرق الثلاثة، وسمى طلبها ابتغاء من فضل الله، وقد بلغت عنايته بالأموال أن طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة الأسبوعية المفروضة، وأنه لم يأمر بالانصراف عن تحصيلها إلا لخصوص هذه العبادة فهو يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [6] . ثم يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [7] . ويقول في تحصيلها على وجه عام {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [8] .
(1) قريش.
(2) عبس: 24 - 32.
(3) الحديد: 25.
(4) الأعراف: 26.
(5) النمل: 44.
(6) الجمعة: 9.
(7) الجمعة: 10.
(8) الملك: 15.