وإذا كان من قضايا العقل والدين، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكانت عزة الجماعة الإسلامية، أول ما يوجبه الإسلام على أهله، وكانت متوقفة على هذه العمد الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبًا.
ومن هنا كان على ولي الأمر في الجماعة الإسلامية، المهيمن على مصالحها وتوجيهها، أن يعمل جهده بما يحقق للأمة الانتفاع بها كلها، وأن يعمل على تنسيقها بحيث لا يترك الأموال تتكدس في تركيز عنصر واحد منها، دون سواه فلا عليه، أن يحول بعضًا من الأراضي الزراعية إلى رؤوس أموال تجارية أو شركات صناعية، على حسب حاجة البلاد المبنية على تقدير مصالحها، ويتم بذلك تنسيقها على الوجه الذي يجعلها غنية بنفسها عن غيرها.
فلا يجد الأجنبي بابًا للتدخل في شئونها إلا بقدر ما يحتاج هو إليها من طرق التبادل العام الذي يقع بين الناس بعضهم مع بعض وهذا نوع من التنظيم فيما ينفع البلاد، ويقيها شر تدخل الأجنبي بما يركز فيها قدمه، ويكون سيدًا عليها، ومستعمرًا لها.
وليس هذا التنسيق من باب تقييد الحرية الملكية وإنما هو توجيه تستدعيه حاجة البلاد، ويمكنها من حريتها الحقة الكاملة.
وهو بهذه الاعتبارات واجب على ولي الأمر حتى إذا ما قصر فيه أو أهمله، كان آثمًا، وكانت أمته معه آثمة وإذا ما قام به ووفر به مصالح البلاد واستقلالها، وعاونته الأمة عليه، كان سائرًا بها في طريق الخير والسعادة، وكانت معه في مكانة الأمن والاطمئنان.
ونظرًا إلى أن فائدة المال تعم المجتمع كله وتقضى به حاجته على النحو الذي ذكرنا، أضافه الله تنويهًا بشأنه؛ تارة إلى نفسه وجعل المالكين له مستخلفين في حفظه وتنميته وإنفاقه بما رسم لهم في ذلك: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [1] : {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [2] .
وأضافه أخرى إلى الجماعة، وجعله كله بتلك الإضافة ملكًا لها: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [3] : {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [4] .
(1) الحديد: 7.
(2) النور: 33.
(3) البقرة: 188.
(4) النساء: 5.