الصفحة 48 من 108

وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها، أو التصرف السيئ فيها، هو اعتداء أو تصرف سيء واقع على الجميع.

وذلك نتيجة ضرورية لما قرره الإسلام من أنه أداة لمصلحة المجتمع كله، به تحيى الأرض وبه توجد الصناعة، وبه تكون التجارة، ثم به يساهم أصحابه في سد حاجة المحتاجين وتأسيس المشروعات العامة النافعة إن لم يكن بعاطفة التعاون والتراحم، فبحكم الفرض الذي أوجبه الله في أموال الأغنياء للفقراء وفي سبيل الله، وبحكم الضرائب التي يضعها ولي الأمر حسب تقدير ما تحتاجه البلاد من مشروعات الإصلاح والتقدم والصيانة.

وقد عنى القرآن عناية كاملة بالحث على البذل للفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وكلمة [سبيل الله] من الكلمات الفذة التي جاء بها القرآن، وهي بذاتها تملأ القلب روعة وجلالًا وتملأ الكون خيرًا وصلاحًا، ولا يخرج عن معناها نوع ما من أنواع البر، خاصة وعامة.

وإذا كان المال مال الله، وكان الناس جميعًا عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرنها بمال الله، هي لله؛ كان من الضروري أن يكون المال - وان ربط باسم شخص معين - لجميع عباد الله، يحافظ عليه الجميع، وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [1] ومن هنا أضاف القرآن الأموال إلى الجماعة، وجعلها قوامًا لمعاشهم: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [2] . {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [3] .

وتحقيقًا لانتفاع الجميع بها، وتطهيرًا للنفوس من بواعث الأثرة فيها، حارب الإسلام في المالكين لها والقائمين عليها، خلق الشح الذي يمنع من البذل والإنفاق، كما حارب السفه الذي يودي بالمال في غير وجوه النفع وإقامة المصالح؛ ففق الشح يقول الله سبحانه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [4] . وفي البخل وهو وليد الشح يقول {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [5] :

(1) البقرة: 29.

(2) البقرة: 188.

(3) النساء: 5.

(4) التغابن: 16.

(5) آل عمران: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت