الصفحة 49 من 108

ويقول {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [1] ، ويقول: {وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، هَذَا مَا كَنزتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ} [2] .

ثم أرشد إلى أن الضن بالأموال من أداء الواجبات، وإقامة المصالح، إلقاء بالنفس في التهلكة {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [3] ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من الشح: [إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا] : ويقول [اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم] ولست بواجد أقوى من هذا التعبير في تصوير الخطر الاجتماعي الذي ينبعث من الشح، ولا ريب أنه من أكبر الآفات التي تفرق المجتمعات وتقضي على حياة الأمم، وصلاح العمران.

وكما وقف القرآن، وبجانبه أقوال الرسول من الشح بالأموال هذا الموقف، وقف أيضًا الموقف عينه، من التبذير فيها، وإضاعتها فيما لا يعود بخير على الأمة: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [4] . وبعد أن يفرد القرآن كلًا من الضن والتبذير بما يصور سوء عاقبته، جمعهما في إطار واحد، وأرشد إلى الطريق السوي الذي يسلكه أرباب الأموال في أموالهم، فيحفظ عليهم حياتهم، ويمكنهم من إقامتها على عمد قوية ثابتة {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [5] .

وكما اتجه الإسلام بهذه الإرشادات إلى الأفراد، تحذيرًا لهم من أفتى الشح والتبذير، يجعل من حق ولي الأمر القائم على المصالح الجماعية - بالنسبة لمن لم يخضع لهذه الإرشادات - أن يأخذ منهم بطريق القهر والقوة ما وضعه الله في أموالهم من حقوق الأفراد والجماعة.

(1) النساء: 37.

(2) التوبة: 34، 35.

(3) البقرة: 195.

(4) الإسراء: 27.

(5) الإسراء: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت