وقد وصل الأمر في تطبيق هذا المبدأ أن قاتل الخليفة الأول جماعة الذين تكتلوا في منع الزكاة، حتى خضعوا فيها لأمر الله وبه استقام الأمر وتركزت عناصر الدولة.
وكذلك جعل من حقه أن يحجر على السفهاء المبذرين، والولاية على أموال الصغار، ومن إليهم ممن لا يهتدون إلى وجوه التصرفات النافعة {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [1] .
وقرر كذلك أن الترف منبع شر يملأ القلوب حقدًا وضنينة ويقضى عل حياة الأمن والاستقرار، ويصل بأصحابه إلى جحود الحق وإنكار الشرائع، ويغرس في نفوسهم الأثرة وفتنة الطبقات وما وقف في وجه الرسالات الإلهية سوى المترفين الذين رأوا أن في تلك الرسالات ما ينزل بهم إلى مستوى الفقراء والضعفاء، أو يصعد بهؤلاء إلى مستواهم، نرى ذلك في أول الرسالات، ونراه في آخرها.
فها هم أولاء المترفون في زمن نوح يعيبون عليه أن كان أتباعه - كما يقولون - من الأراذل: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [2] وهاهم أولاء المترفون في زمن محمد يقفون من بلال وإخوانه هذا الموقف نفسه، ويكون جواب نوح هو جواب محمد عليهما السلام، فنوح يقول {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [3] ومحمد يرشده ربه إلى نفس الجواب {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [4] .
وفي شأن المترفين ووقفتهم في وجه الحق يقول سبحانه وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ، وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ
(1) النساء: 5، 6.
(2) هود: 27.
(3) هود: 29، 30.
(4) الأنعام: 52.