الصفحة 77 من 108

وهذا إصلاح باطني أساس لكل إصلاح خارجي، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز، وكان نتيجة وأثرًا لهذا الإصلاح الباطني، ولعل قوله عليه الصلاة والسلام «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهو القلب )) من أقوى العبارات المأثورة في تقرير القضية التالية: صلاح الظاهر نتيجة لصلاح الباطن.

بقي أمامنا من الشعب التي رجعنا إليها الإسلام، شعبتان، شعبة النظم التي تساس بها الجماعة، وهي المعروفة في اصطلاحنا بقسم الأحكام، أو بقسم التشريع: وشعبة الإنسان في الكون، وهي المعروفة في اصطلاحنا بتعرف خواص الأجسام.

أما شعبة النظم، فحسبنا في نهوضها بالإنسان، وفي حمله على النهوض، أنها مبنية على أساسين يؤازرهما، أساس ثالث وثلاثتها أقوى العمد التي تشاد عليها الصروح العالية للمجتمع الإنساني الفاضل، المصلحة والعدل، تؤازرهما الشورى الحقة الصادقة.

أما مكانة الشورى في الإسلام فبينة واضحة، تجلت في نصوص القرآن كما تجلت في عمل الرسول مع أصحابه، وفي عمل أصحابه بعضهم مع بعض، أما المصلحة، فنراها ماثلة فيما نص عليه من أحكام ومأمورًا بمراعاتها فيما فوض من الأحكام إلى اجتهاد أولي العلم والمعرفة بوجوه المصالح والنفع العام.

أما العدل فإنا لا نستطيع أن نظفر بمبدأ غيره من مبادئ الحياة عنى به القرآن، وكرر الأمر به في صور مختلفة وأساليب متعددة، وحذر مخالفته، كيف وقد جعله الله الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، في جميع مراحل الهداية الإلهية: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [1] .

وفي بناء الإسلام لشعبة النظم والقوانين على هذه المبادئ الثلاثة: الشورى، والمصلحة، والعدل، بمعانيها التي أبرزها القرآن، ما يجعل الحكم والعدل يسخر السخرية كلها من العناصر التي بينت عليها شعبة النظم في الحضارات الحديثة التي لا تمت بمصدر التقديس والخير المطلق وإذا امتلأت النفس البريئة من التعصب، بقوة هذه الشعب الثلاث: العقيدة، والأخلاق، والنظم، في إنهاض الإنسانية والسير بها في طريق التقدم، فإليها الشعبة الرابعة وهي:

(1) الحديد: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت