الصفحة 78 من 108

شعبة الكون أمام الإنسان: آثر الله الإنسان على ملائكته لمهمة الخلافة في الأرض، وأظهر قوته عنهم في عمارتها، والانتفاع بأسرارها، ثم أشعره بالعبارة الجلية الواضحة، بأنه بسط أمامه الكون، وسخره له، ليعمل فيه ويكافح، وكان من ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [1] .

سخر له الشمس والقمر، وسخر له الليل والنهار، وسخر له البحار والأنهار، وسخر له الأرض والجبال، وسخر له الأنعام والحيوان، سخر له كل ما في الكون وأمره ببحثه والنظر فيه، واستخراج أسراره، والانتفاع بذخائره ونفائسه، ثم حد من طغيان الإنسان بما يصل إليه من تلك الأسرار، وحذره استخدامها في التدمير والتخريب، وطلب إليه أن يستعين بها في الإنشاء والتعمير حتى يكون العالم، مظهرًا لجود الله ورحمته بعباده.

وبهذه الشعبة وقد كثرت آياتها في القرآن يعلن الإسلام أنه دين الحضارة المعمرة لا المخربة، العادلة لا الظالمة، الرحيمة لا الجبارة.

وإذا ما ضم أثر هذه الشعبة إلى آثار الشعب الثلاث الأولى، تجلى من غير شك أن الإسلام ليس دينًا يساير النهضات الحديثة فحسب، وإنما هو دين ونظام إلهي، ينقي الحضارات الحديثة من الطغيان والتهور، ويدفع الإنسانية بروح من إيمانها وضميرها إلى السير في طريق الفضيلة والتعمير والقضاء على الشرور والمفاسد، إلى أن يأتي أمر الله.

هذا هو الإسلام الذي هو دين العمل والكفاح، والمصلحة والتضحية في سبيل الحق، ونشر راية السلم على ربوع العالم.

نعم جرت كلمات في بعض العصور، على بعض ألسنة، هزيلة وأخرى مأجورة، كان من آثارها في الجمهور الغافل تفشي روح البطالة، والتواكل والإلقاء بالنفس في أحضان الغيب المجهول، وقد عملت هذه الكلمات عملها في النفوس باسم: كمال الإيمان، وباسم «التوكل على الله» وباسم «التسليم للقضاء» وما إلى ذلك مما صرف المسلمين عن التفكير في سنة الحياة الجادة التي كونها الإسلام بهذه الشعب الأربع.

وبذلك وقفت في المسلمين حركة التفكير والعمل واستخدام ما سخر للإنسان في هذا الكون، كما أسيئ إلى فهم المبادئ الإسلامية الصحيحة، فانتابهم الضعف، وأصيبوا بالشلل، وهيئوا للناس أن ينالوهم بما أرادوا، وأن يرموا دينهم بما شاءوا، وبذلك أساءوا إلى أنفسهم، وأساءوا إلى دينهم.

(1) البقرة: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت