الصفحة 73 من 108

فيما أخذ الله به عليهم العهد والميثاق {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [1] إن كان ذلك أو شيء منه وقر في نفوسهم فليقرءوا {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [2] .

أيها الأخ الكريم: تسألني كيف نحيي العمل بالإسلام؟ وهو سؤال طالما تردد في صدري، وطالما ترقبته من شخصية لها حق الاستشارة في وسائل التوجيه، وكم كنت أتمنى أن تسألني معك هذا السؤال، شخصية أخرى نيط بها إعداد رجل الدين الذي يفهم الحياة والإسلام على وجههما الصحيح، والذي يجوس خلال الديار ويمتلك بعلمه وعمله، وحكمته وبيانه قلوب الناس، فيهرعون إلى مجلسه ويمتلئون إيمانًا بما يقول، كنت أتمنى ذلك لأقول لك ولصاحبك: أنتما المسئولان عن إحياء العمل بالإسلام.

فالإذاعة والصحافة والنشر وسائل، إن أريد لها أن تنفح الناس بريح طيبة تجري بهم رخاء إلى الكمال، كانت الموجه المفيد، وكانت العدة القوية في إحياء العمل بالإسلام، وإن أريد لها - كما نراها اليوم - في كثير من مجتمعاتنا عكس ذلك، تنفث سموم التحلل، وتغري بألوان العبث؛ كانت الموجه الضار الذي لا ينفع معه تثقيف ولا تهذيب، وكانت العدة القوية التي لا يظفر بمثلها خصوم الإسلام في إماتته عند أهله، وانتزاع مبادئه من قلوبهم.

وإذن يتحتم عليك أيها الأخ وعلى إخوانك مستشاري هذه الوسائل في بلادنا الإسلامية، أن تجتمعوا وتتشاوروا في وضع منهج عام يقضي على الأقل بتنقيتها مما يوجه الشباب الغافل نحو الثورة النفسية على الدين وفضائله، باسم التجديد والتقدم!!

أما القائمون بإعداد رجل الدين، فهم يعلمون أنهم وقفوا في إعداده عند مرحلة لا تهيئ لكشف غامض، ولا إزالة شبهة، ولا إظهار حكمة، عند مرحلة لا تمكن واعظًا ولا مرشدًا من إنفاذ وعظه إلى القلوب، عند مرحلة قديمة من القول ليس بينها وبين حاضر الناس ما ينبه الشعور أو يوقظ الوعي، عند مرحلة رأوا أن فيها كفاف عيشهم فعكفوا عليها، وبذلك عميت على الناس فضائل الدين، وانطمست أحكامه في عقولهم، وانصرفوا إلى ما يلبي شهوتهم أو يحقق لهم ثقافة وافدة عليهم من سماء غير سمائنا.

وإذن فمن الواجب الحتم على هؤلاء إحياءً للعمل بالإسلام، إعادة النظر في منهج التكوين لرجل الدين، الذي نراه في جماعة التشريع والتقنين، والذي نراه في مرتبة الاجتهاد، واستنباط الأحكام، والذي

(1) آل عمران: 104.

(2) النساء: 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت