الصفحة 36 من 108

وجواب هذا ما رأيته من قبل، وهو أن الإسلام مع هذا الإغراء وهذا الإعداد احتاط لخير الإنسان، وقطع عليه مسالك الطغيان في الانهماك والتكالب على الدنيا بما يفوت عليه سعادة الروح، بالمادية الجشعة التي تقتل في النفوس روح الشعور بمكانة التعاون وتبادل المنافع وتغرس فيها الشح، وتنمي عوامل العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعظمته {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [1] .

وأن الإسلام قدر - كما هو الواقع - أن حصول الإنسان على خير هذه الحياة بالمبادئ التي رسمها، ولا يمكن أن يكون إلا بإعمال العقل والتفكير فيما سخر له من مواد هذا الكون، فدعاه إلى النظر في ملكوت السموات والأرض، ليعلم وينتفع، ومن هنا نوه القرآن بفضل العقل، ومكانة العلم، وجعل المحافظة على العقل من الضروريات الدينية الأولى، وحرم تناول ما يفسده أو يضعفه، وحقر في كثير من الآيات هؤلاء الذين أسلموا أنفسهم للأوهام والخرافات، وأهملوا عقولهم، وسلبوا أنفسهم حقها الطبيعي في الفكر والنظر {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [2] .

وفي سبيل الاحتفاظ بفائدة العقل، رفع من شأن العلم والعلماء: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [3] . {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [4] . وليس العلماء كما جاء في التأويل الفاسد، هم أهل الفتيا بالمسائل الفقهية في الحل والحرمة فقط، وإنما العلماء هم الذين يعلمون أحكام الله وشرائعه على وجهها الصحيح، والذين يعلمون أسرار الكون وخواص أنواعه وعناصره، فيستدلون بما يعلمون على عظمة الخالق في علمه وقدرته وحكمته {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [5] .

وفي سبيل الاحتفاظ بفائدة العقل ذم التقليد، وتوارث العقائد والآراء عن الآباء والأجداد دون نظر واستدلال قدر الإسلام - كما هو الواقع - أن الإنسان لا يمكن أن ينتفع بهذه المبادئ ويلبي في حياته نداءها، إلا إذا تحسن بالصحة، فأمر بالوقاية والعلاج حتى يسلم جسمه، فيسلم عقله، وتقوى جوارحه.

(1) التكاثر.

(2) الأعراف: 179.

(3) فاطر: 28.

(4) المجادلة: 11.

(5) سبأ: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت