فالمعرفة والصحة عنصران لابد منهما في قيام الحياة على الوجه الذي يحقق حكمة الخالق في الخلق، وليس في الحياة شيء إلا وهو محتاج إليهما، متوقف عليهما، وليس فيما نعلم مقوضًا لأصل السعادة، وقاضيًا على الهناءة، ومفككًا لعرى التعاون، ومضيعًا للعزة والسلطان، مثل الجهل والمرض، فهما بحق أصل البلاء، ونذير الاضمحلال والفناء.
ومن هنا عنى الإسلام عناية كاملة بالإرشاد إلى الوسائل التي تطهر المجتمع من الجهل، والتي تطهره من المرض، فهو قد حارب الجهل وتتبعه في كل وكْر من أوكاره، وفي كل لون من ألوانه: حارب جهل الشرك بالتوحيد، وبث في النفس والآفاق دلائله، ولفت الإنسان إليها، وحثه على النظر والتفكير فيها ليؤمن بأن العظمة التي يخضع لها ليست لأحد سواه، فلا تعترضه في طريق الكمال ما ينسجه الإنسان حوله من صور العظمات الزائفة.
حارب جهالة التقليد وأنكر على الإنسان أن يسلم عقله لغيره، وأن يقف في عقائده ومعارفه ووسائل الحياة عندما خلفه الآباء والأجداد من الأوهام والخرافات.
حارب جهالة الأمية وأوحى بتعلم القراءة والكتابة، ورفع من شأن التعلم، ولا بد هنا من وقفة يسيرة لنرى مبلغ عناية الإسلام بمحو الأمية والإرشاد إلى وسيلته وحسبنا في ذلك أن يكون أول نداء إلهي يفتتح به الله باسم «الربوبية» وحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، تلكم الآية الكريمة: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [1] .
يأمر بالقراءة والقراءة سلم المجد، وطريق العلم والمعرفة، ثم يرشد إلى الاستعانة عليها باسم «الرب» مفيض التربية ووسائلها على جميع الخلق؛ فيشعر الإنسان بعزة شأنها ورفعة قدرها، وأنها من الشئون العظمى، ذات البال والخطر، ثم يذكر خلقه وتكوينه في هذا المقام ويردفه بنعمة العلم {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
وبذلك يسوي بين نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة العلم، ويكون ذلك إيحاء بأن المخلوق الجاهل لا اعتداد بوجوده في هذه الحياة، وتنويهًا بشأن القلم ومكانته في العلم والمعرفة، يقسم به الله في معرض تبرئة الرسول عليه السلام، من أفدح التهم الباطلة الذي ألصقها القوم به عليه السلام؟ وهى تهمة الجنون: {ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [2] .
(1) العلق: 1 - 5.
(2) القلم: 1، 2.