وكما يطلب القراءة على الإطلاق دون تقييد بمقروء مخصوص، يطلب العلم والنظر على الإطلاق، دون تقييد بمعلوم مخصوص أو منظور مخصوص {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [1] . ويرشدنا هذا الإطلاق إلى أن [العلم] في نظر القرآن ليس خاصًا بعلم الشرائع والأحكام من حلال وحرام، وإنما العلم في نظره هو كل إدراك يفيد الإنسان توفيقًا في القيام بمهمته العظمى التي ألقيت على كاهله منذ قدّر خلقه، وجعل خليفة في الأرض، وهي عمارتها، واستخراج كنوزها، وإظهار أسرار الله فيها.
فإدراك ما يصلح به النبات وينمو ويثمر، وما تستنبت به الأرض وتحيا، علم.
وإدراك ما يصلح الحيوان، ويستمر به نسله، وتتصل قوته، علم.
وإدراك الطرق المشروعة التي تحصل الأموال، والتي تنظم بها مواردها، ومصارفها، علم.
وإدراك موارد الصناعة على اختلاف أنواعها وكيفياتها وتوزيعها علم.
وإدراك الأمراض وعالمها وكيفية علاجها وطرق الوقاية منها، علم.
وإدراك ما تعرفه الأمم من وسائل الدفاع والهجوم، حفظًا للأوطان، ودفعًا للعدوان بما يرهبهم، علم.
وقد جاء الإيحاء بهذا كله واضحًا جليًا في القرآن الكريم، وبه كان العلم - بمعناه العام الشامل - العنصر الأول من عناصر الحياة في نظر الإسلام.
وقد أدرك المسلمون الأولون إيحاء القرآن في كل ذلك، فأدركوا قيمة العلم ومنزلته وضرورته في سعادة الأمم والأفراد: كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب فجدوا في محو أميتهم بكل الوسائل حتى أطلقوا سراح الأسير إذا هو علم عددًا من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وجعلوا تعليم القرآن مهرًا في الزواج، وأطلقوا لأنفسهم سراح النظر في الكائنات؛ فأدركوا منها ما يسعدهم في الحياة، ويجعلهم أئمة يهدون بأمر الله.
رفعوا بالعلم مكانة الخامل، وكان فيما بينهم نسب الوضيع، وغنى الفقير، وقوة الضعيف، وفي بطون التاريخ والمكتبات الإسلامية والعالمية من المؤلفات والمترجمات في شتى العلوم والفنون والصنائع وجميع فروع العلم والمعرفة ما يشهد لهم بالتركيز العلمي، ويشهد لكل جيل بمنهجه في علمه ومعارفه التي وصل إليها بجهوده وتفكيره دون الوقوف عندما ترك السابقون، بل نظروا وبحثوا، واختاروا واختبروا
(1) الزمر: 9.