ومن هذا البلد الأمين «مكة» أم القرى، ذات الجبال الشاهقة والحصون الحجرية المحكمة التي صانتها عن زخارف المدنيات الطائشة، مدنيات الفرس والرومان، والتي غرست في نفوس أهلها: بسمائها، ووديانها، وجبالها، معاني الحرية والنجدة، والكرم وإباء الضيم.
من هذا البلد تفجرت ينابيع الحكمة والهداية، وارتوى من سلسبيلها الإنسان في كل زمان ومكان؛ فشعر بعزته، وشعر بمكانته في الحياة.
في هذا البلد الأمين، وتلك القرية السعيدة، ولد حفيد إبراهيم، محمد ابن عبد الله، وكان ميلاده إيذانًا ببزوغ فجر الليل اشتد ظلامه، وتخبطت في دياجيره البشرية قرونًا طوالًا.
في هذا البلد الأمين، ولد محمد، فتولاه ربه برعايته، وصنعه على عينيه، وخلصه له منذ صباه؛ فلم يشغل قلبه بشيء من عطف الأبوة، ولا حنان الأمومة، ولا بشيء من زخارف هذه الدنيا الفانية.
ولما بلغ أشده واستوى آتاه الله العلم والحكمة، وجعله نبيًا، وختم به رسالاته، وأكمل به دينه، وأتم به على العباد نعمته، أحيا به ما اندرس - بالطغيان والهوى - من هداية إبراهيم، وآل إبراهيم، وجدد به عهد الولاء للخالق، وكون عظمة شغلت العالم منذ أربعة عشر قرنًا، وستظل بأبنائها الأوفياء المخلصين في حمل شعلتها، الحامين لذمارها، تشغل العقول وتلفت الأنظار، وتسمو بالإنسانية، وتزلزل عروش العنف والجبروت، وتقوض قصور الظلم والطغيان، وقد كتب الله على نفسه، ووعد - ووعده الحق - أن ينصر عباده المؤمنين المخلصين {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [1] .
هذا أيها المسلمون شهر ربيع الذي ولد فيه محمد، وتلك مكة القرية السعيدة التي شب فيها وترعرع، وتلك شريعته التي بها أنقذ الإنسانية، فاذكروا بالزمان والمكان هذا النبي العظيم، وتلك الشريعة المطهرة «ولا تكونوا» {كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [2] .
هذه أمانة الله، حملها آباؤكم وأجدادكم، وجئتم بعدهم خلفاء؛ فارفعوا رايتها، وجاهدوا في سبيلها، ولا يكن منكم معوقون ولا متخلفون.
(1) المجادلة: 21.
(2) الحديد: 16.