ذكرها بأشهر أسمائها «مكة» : {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [1] وذكرها باسم «بكة» وهو يرشد إلى مكانة البيت الذي رفع إبراهيم وولده إسماعيل قواعده، وطهراه للطائفين والعاكفين والركع والسجود {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [2] .
وذكرها باسم «أم القرى» ، ومن الأم يرضع الأبناء لبن الحياة الصافي. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [3] .
وذكرها باسم «البلد الأمين» رمزًا لما تنفست عنه من مبادئ الأمن واستقرار، وبهذا الوصف «البلد الأمين» أقسم بها سبحانه ضمن منابت الهداية الإلهية، توجيهًا للأنظار نحو خيرها، ونعمتها على العالم. {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [4] ، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [5] .
لقد كان العالم يموج بأنواع من الفتن والشرور، وفي هذه الفتن ضل الإنسان سبيل الحكمة، وهضم بجبروته حقوق الضعفاء، وتحكم في العقائد والأخلاق والروابط الاجتماعية، وفي هذا الجو فسد عليه تصوره لخالقه، وانقطع عنه نور الحق، وفسد تصوره للفضائل، وفسد تصوره للجماعة البشرية، فعاش على أساس من الشهوة العمياء، والفردية الممقوتة، والانحلال الشائن لا يعرف الرحمة ولا التعاون، ولا يكترث إلا بما رسمه تصوره الضيق المنحرف.
وكان من الضروري أمام هذا الانقلاب الذي سار إليه الإنسان وقد خلقه الله ليعرفه، وليكون مظهرًا لصفات الجمال والجلال، وليكون خليفة في الأرض يعمرها وينميها ويسعد نفسه وإخوانه بأسرارها ونعم الله فيها. كان من الضروري في الحكمة الإلهية أن ينظر الله إلى العالم نظرة جود ورحمة تنتشله من وهدته، وتصلحه من فساده، وترده إلى صوابه، وتبصره الطريق السوي المستقيم، وتلك سنة الله كلما ضلت الأقوام وانحرفت الأمم.
(1) الفتح: 24.
(2) آل عمران: 96، 97.
(3) الشورى: 7.
(4) التين: 1 - 3.
(5) البلد: 1، 2.