الصفحة 56 من 108

الصدقة في الإسلام سبيلًا للجمع عن طريق التمسكن وللظهور بمظهر الفقراء المستحقين وبذلك استغلوا بماء وجوههم عاطفة الناس!.

هؤلاء ليسوا في واقعهم إلا أرباب نهب وسلب عن طريق استخدام الغش والخديعة التي تصرف الناس عن حقيقة أمرهم، وليسوا إلا عناصر بطالة وهدم لكرامة الجماعة التي يجب أن تعيش وحداتها على أساس من العزة والتعفف والرفعة.

يطالب الله الإنسان القادر على العمل أن يعمل تحصيلًا لرزقه وحفظًا لماء وجهه، ويشدد عليه في ذلك كله، ويضع السعي أمامه في مستوى العبادة، فيتحلل الإنسان من تلك الأوامر، وينزع نفسه من معاني الكرامة نزعًا، ويتخذ التسول صنعة، يتنقل بها في الطرق والمقاهي، ومركبات الترام، والميادين العامة، منها يتعيش، وبها للمال يجمع: يقف للمارة بالمرصاد، يسد عليهم طريقهم ويعترضهم في سيرهم، مرتلًا لهم دعوات، فإذا لم يعطى بها، قلبها لعنات {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [1] .

إن هذا الصنف كثر في هذه الأيام، وتفنن في مظاهر العجز ودواعي السؤال وكان منهم من يتعارج، ومن يتعامى، ومن يزعم أنه خرج من مستشفى القصر وليس معه أجرة القطار، ولا أجرة المأوى، ولا ثمن الخبز هؤلاء كذبة فجرة، فقدوا ماء الوجه، وحرموا فضيلة الحياء، واستطابوا هذه الوسيلة الوضيعة لجمع المال بغير كد وعمل.

المسكين الذي يستحق العطف، ويجب له البذل، هو من قعد به المرض عن السعي والعمل، وهو من سعى إلى عمل فسدت في وجهه السبل، هذا هو المسكين، ومع هذا فشأنه أن تدل عليه حالته، فيعطف عليه أهل الخير والسخاء {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [2] ، «ليس المسكين من ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» ، «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس بوجهه مزعة لحم» .

إن تنظيم الإنفاق في هذه الدائرة، دائرة الفقر والمسكنة من أوجب الواجبات على المصلحين والقائمين بشئون المجتمع، عليهم أن يتعرفوا المحتاجين حقيقة، وبخاصة الأسر التي أخنى عليها الدهر، وصارت بعد العزة إلى ذلة، وبعد الغنى واليسار إلى الحاجة والمسكنة، ويمنعهم الحياء عن الظهور بمظهر

(1) التوبة: 58.

(2) البقرة: 273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت