وإذا كان الانقطاع عن الدنيا، والأعراض عنها بالتبتل، والاكتفاء من متعها وخيرها بما يقيم الأود الشخصي، مما يأباه ًالإسلام، وينكره أشد الإنكار، فإن الإسلام أشد إباءًا وإنكارًا لفرض آخر في علاقة الإنسان بالحياة، وهذا الفرض المقابل للانقطاع والتبتل، هو فرض التكالب على الجمع والادخار في محيط الدائرة الشخصية؛ وبذلك يركز الإنسان قواه العقلية في خدمة وجوده المادي الخاص، ويعمل على أن يبسط به سلطانه على من سواه، ويسلك إلى تلك الغاية كل السبل التي يراها محققة لها، غير مكترث بشيء من جوانب الفضيلة الروحية، ولا الشكر الإلهي على ما هيئ له من نعم؛ فلا عطف ولا رحمة، ولا تعاون، وإنما هو طغيان ولعب ولهو، وتفاخر وتكاثر.
وإذا كان الفرض الأول سبيلًا فقط للفردية الروحية، ولا يلائم طبيعة الإنسان ولا طبيعة الكون؛ فإن هذا الفرض، سبيل فقط للفردية المادية التي تقطع ما بين الناس من صلات طبيعية، وتقضي على عوامل التعاون، وبواعث النفع العام، وتغرس في النفوس الشح، وتنمي عوامل العداوة والبغضاء.
به ينظر فريق المتكاثرين إلى غيرهم نظرة المالك للمملوك، ونظرة المعبود للعابد، والسيد للمسود؛ لا يعترف له بحق ولا يسمح له بمتعة، وبنظر هؤلاء إليهم نظرة المظلوم للظالم، والضعيف للقوي، يضمر له الحقد، ويتربص به ريب المنون. وقد جربت الإنسانية في عصورها المختلفة، وجربت مصر خاصة، هذا الفرض فلم ترى منه إلا الشقاء والاضطراب، والعقم والتفرق والانقسام.
وإذا كان الإسلام حارب فكرة التبتل والانقطاع عن الدنيا بنصوصه الكثيرة التي حثت على العمل والسعي، وطلبت إلى الناس أن يضربوا في الأرض، وأن يعملوا بقواهم فيما سخر لهم، من أرض للزراعة، وأدوات للصناعة، وبحار للتجارة، فإنه قد حارب كذلك، بل أشد، فكرة التكالب على الدنيا والعمل في تحصيلها لخاصة النفس، واعتبر هذا الفرض من دلائل التكذيب بيوم الدين: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [1] .
وقد قص الله علينا شأن كثير من المتكالبين الذي قطعوا - بما أعطاهم الله - صلتهم بالآخرة، قص علينا شأن صاحب الجنتين الذي افتخر بهما على صاحبه وقال له: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي
(1) التكاثر.