الصفحة 94 من 108

ويوم أن خرج من نطاق الحديد والنار الذي ضربه قومه حول بيته، ليضربوه ضربة واحدة يتفرق بها دمه في القبائل فيستريحوا منه ومن دعوته.

ويوم أن صار في المدينة قائدًا يتقدم الصفوف، ويتقي به أصحابه.

ويوم أن كان حاكمًا يقيم الوزن بالقسط، لا يعرف نفسه ولا أهله في إقامة حد الله وشرعه.

هكذا جرت سنة المسلمين بعد قرونهم الأولى!!

وما كان المسلمون الأولون يفكرون في تعيين زمن خاص يذكرون فيه الناس بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الاحتفالات التي تقام، أو المقالات التي تكتب، أو الأحاديث التي تذاع.

ذلك أنهم كانوا يرون عظمته صلى الله عليه وسلم ليست من جنس العظمات التي يخشى عليها النسيان أو التلاشي في صحف الأيام حتى تحتاج في بقائها إلى تذكير الناس بها، وتنبيه وعيهم إليها، وليست من جنس العظمات التي تألفها الأمم في نوابغها وأفذاذها، تكون في ناحية من نواحي الحياة، كانتصار في معركة، أو فتح لحصن، أو سبق إلى اختراع مادي، أو كشف نظرية علمية في السماء أو في الأرض، أو زعامة أمة أو إقليم.

وإنما كانوا يرون - كما هي في الواقع - أنها عظمة خالدة بخلود آثارها في العالم، تنمو وتمتد، وتسري بقوتها الذاتية في جوانبه، شرقًا وغربًا، وتنطلق أشعتها على مجاهيل الكرة الأرضية؛ فتنبض لها القلوب، وتتحرك لها العقول، وتنشرح بها الصدور، وتمتلئ بروعتها وبساطتها النفوس، وترسم هي لهم سبل السير وراءها فيكشفون للناس عن جوهرها ومصدرها وعن نظمها في الحياة.

كانوا يرونها خالدة بأثرها هكذا، وخالدة بكتابها الخالد الذي يهدي الإنسان في الحياة إلى التي هي أقوم: في عقيدته، وفي خلقه ونظم حياته، وروابطه العائلية والمدنية والإنسانية. وفي علاقته بالكون، أرضه وسمائه، وفي متعته بلذائذ الحياة الطيبة، وفي تضامنه مع إخوته بني الإنسان، وفي عمارة الدنيا وفي أمنها واستقرارها، وفي بلوغها أقصى ما قدر لها من كمال.

كانوا يرونها هكذا خالدة، وهكذا عامة.

وكان ذكراها لديهم في ترسم خطاها، والجد في نشرها، وفتح قلوب الناس لها، والعمل على انتفاع الإنسانية بها، وبذلك ركزوا حياتهم في تقليب وجوهها، والاقتباس من نصها وروحها، لما يكفل للإنسانية أن تحتفظ بمكانتها في صفحة الترتيب الكوني لهذا العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت