الصفحة 39 من 108

فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [1] {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [2] .

وبها نسى المسلم بأخيه المسلم قبيلته، وخرج على عشيرته، وخاصم أباه وقاتل أخاه {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ، يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [3] . وبها فقدت الأخوة النسبية آثارها، من ولاية وتوارث إذا تجردت عن الأخوة الدينية وبها صار المجتمع الإسلامي بالعقيدة والإيمان ذا جهاز واحد، يتقاسم الفرح والحزن، واللذة والألم، والسعادة والشقاء، والرحمة والعطف، والإرشاد والمعونة، مهما تناءت الديار واختلفت الأجناس، وتباينت اللغات، شعار واحد «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ودعاء واحد: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [4] .

وقد كان من مقتضيات هذه الأخوة، التضامن الاجتماعي بين المسلمين، والتضامن الاجتماعي، هو إيمان الأفراد بمسؤولية بعضهم عن بعض هو إيمانهم بأن كل واحد منهم، حامل لتبعات أخيه، ومحمول بتبعاته على أخيه، فإذا ما أحسن، كان إحسانه لنفسه ولأخيه، وإذا ما أساء. كانت إساءته على نفسه وعلى أخيه {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [5] .

والتضامن الاجتماعي، أول عناصر الحياة الطيبة للمجتمعات، يتوقف عليه حياتها، وبه تكون عزيزة كريمة، متمتعة بهيبتها قائمة بواجبها، ولهذا التضامن، شعبتان: تضامن أدبي، وتضامن مادي، والتضامن الأدبي يحققه قوتان، قوة تعرف الخير والفضيلة وتدعو إليهما بصدق وإخلاص، وقوة تستمع وتمتثل وتتقبل بقلوب مطمئنة، وصدور منشرحة، وألسنة شاكرة، وجوارح عاملة، وبتفاعل القوتين، تقوى روح التعاون، ويقف الجميع حول مركز واحد يوحد الاتجاه، ويهيمن على المصالح.

وفي قوة الدعوة، يقول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [6] . ويقول وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ

(1) آل عمران: 103.

(2) التوبة: 11.

(3) المجادلة: 22.

(4) الحشر: 10.

(5) العنكبوت: 13.

(6) آل عمران: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت