وتخلفهم عن الجهاد والخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله فهم لا يفقهون ما فيه صلاحهم
وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:13] وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب:14] وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا [الأحزاب:15] قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:16] قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب:17] قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18] أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:19] }
قالت طائفة من المنافقين"يا أهل"يثرب" (وهو الاسم القديم للمدينة) لا إقامة لكم في معركة خاسرة فارجعوا إلى منازلكم داخل"المدينة"ويستأذن فريق آخر من المنافقين بالعودة إلى منازلهم بحجة أنها غير محصنة فيخشون عليها والحق أنها ليست كذلك وما قصدوا بذلك إلا الفرار من القتال ولو دخل جيش الأعداء"المدينة"من جوانبها وطلب من المنافقون الشرك بالله والرجوع عن الإسلام لأجابوا إلى ذلك مبادرين وما تأخروا عن الشرك إلا يسيرًا وقد عاهدوا الله على يد رسوله من قبل غزوة الخندق لا يفرُّون إن شهدوا الحرب ولا يتأخرون إذا دعوا إلى الجهاد ولكنهم خانوا عهدهم وسيحاسبهم الله على ذلك."
قل للمنافقين: لن ينفعكم الفرار من المعركة خوفًا من الموت أو القتل فإن ذلك لا يؤخر آجالكم وإن فررتم فلن تتمتعوا في هذه الدنيا إلا بقدر أعماركم المحدودة وهو زمن يسير جدًا بالنسبة إلى الآخرة. قل لهم يا محمد: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة فإنه المعطي المانع الضارُّ النافع؟ ولا يجد المنافقون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا والله يعلم المثبطين لغيرهم عن الجهاد في سبيل الله والقائلين لإخوانهم: تعالوا وانضموا إلينا واتركوا محمدًا فلا تشهدوا معه قتالا فإنا نخاف عليكم الهلاك بهلاكه وهم مع تخذيلهم هذا لا يأتون القتال إلا نادرًا للرياء والسمعة والخوف من الفضيحة بُخَلاء عليكم أيها المؤمنون بالمال والنفس والجهد والمودة لما في نفوسهم من العداوة والحقد حبًا في الحياة وكراهة للموت فإذا حضر القتال خافوا الهلاك ورأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم خوفًا من القتل وفرارًا منه كدوران مَن حضره الموت فهم أجبن الناس وأخذلهم للحق وإذا كان أمن تكلموا كلاما بليغا فصيحا وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة وهم يكذبون وتراهم عند قسمة الغنائم بخلاء وحسدة أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم فأذهب الله ثواب أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا.
ولذا فإن المنافقين يفزعون دائمًا من أي تهديد قال تعالى َيحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4] فهم دائمًا في خوف ووجل أن يهتك الله سترهم ويظهر أسرارهم قال ابن كثير: كلما