من الناس من يعجبك كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين وهم قوم يحتالون على الدنيا بالدين ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر يلبسون للناس مسوك الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله تعالى: فعلي يجترئون وبي يغترون حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران وإذا خرج من عندك سعي في الأرض ليفسد فيها ويتلف الزرع والماشية والله لا يرضي بالفساد فذلك قوله وهذا فعله كلامه كذب واعتقاده فاسد وأفعاله قبيحة وإذا نُصِح وقيل له: اتق الله واحذر عقابه وكُفَّ عن الفساد في الأرض امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم فَحَسْبُه جهنم وكافيته عذابًا ولبئس الفراش هي. كما قال تعالي وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحج: 72]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:60] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء:61] فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62] أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63] }
ألم تعلم أيها الرسول أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك من القرآن وما أُنزل إلى الرسل من قبلك, وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير شرع الله وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟ ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق بعدًا شديدًا. وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان الصادق يقتضي الانقياد لشرع الله والحكم به في كل أمر من الأمور فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في زعمه وإذا نُصحوا وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رأيت الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر يعرضون عنك إعراضًا كما قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21] وحالهم خلاف المؤمنين قال تعالي إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51]
فكيف يكون حال المنافقين إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم ثم جاءوك يعتذرون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق أولئك الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق فتولَّ عنهم وحذِّرهم من سوء ما هم عليه وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا [النساء:81] }