وقوله تعالى [فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا] أي في قلوبهم شك ورجس فزادهم الله رجسا فوق رجسهم وضلالا فوق ضلالهم قال ابن أسلم هذا مرض في دينهم وليس مرض في الجسد وهو الشك الذي أضلهم في الإسلام فزادهم رجسا وشكا كما قال تعالي وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125]
وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي وإفشاء أسرار المؤمنين وموالاة الكافرين قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن مصلحون إنَّ الذي يفعلونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد لكنهم بسبب جهلهم وعنادهم لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء فردَّ الله عليهم بأنهم هم السَّفَهاء وهم لا يعلمون أن ما هم فيه هو الضلال والخسران و إذا لقي المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الموالاة غرورا منهم للمؤمنين ونفاقا ليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم وإذا انصرفوا إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين قالوا إنا على مثل ما أنتم عليه من النفاق والكفر وإنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم والله يستهزئ بهم ويُمهلهم ليزدادوا ضلالا ثم يجازيهم على استهزائهم بالمؤمنين كما قال تعالي وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران:178] وقال تعالي وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف:182] كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة كما قال تعالى فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44] فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45]
وفيما يلي تفسير الكلمات التي تظهر وتبين منافقي الريبة والشك.
1 -العمه الوارد في كلمة يعمهون تعني التحير والتردد في الشيء قال الفخر: العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه كما قال تعالي مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143]
2 -قال البيضاوي رحمه الله في تفسير الآيات السابقة: هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم لذلك أطال في بيان خبثهم وجهلهم واستهزائهم فظنهم أن مجرد نطقهم بالشهادتين وادعاء اليقين بالله واليوم الآخر سيُكتب لهم النجاة فهم يعتقدون أنهم يخدعون الله بذلك وما علموا أن الله لأنه لا تخفى عليه خافية وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك ولا يفطنون إليه لتماديهم في غفلتهم
وفي قوله تعالى [يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا] قال الفخر الرازي والتشبيه في الآيات في غاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا و بنفاقهم أطفئوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة لأنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين وخسران أنفسهم أبد الآبدين