قال ابنُ القيم وهو يذكرُ حيلَ المُرابين:""فتارةً بالعينةِ، وتارةً بالمحلِّل، وتارةً بالشرطِ المتقدِّم المتواطأِ عليهِ، ثمَّ يطلقونَ العقدَ مِن غيرِ اشتراطٍ. وقدْ علمَ اللهُ والكرامُ الكاتبونَ والمتعاقدانِ ومَن حضرَ أنَّه عقدُ ربَا، مقصودُه وروحُه بيعُ خمسةَ عشرَ مؤجَّلةً بعشرةٍ نقدًا ليسَ إلاَّ. ودخولُ السلعةِ كخروجِها حرفٌ جاءَ لمعنَى فِي غيرِه. فهلاَّ فعلوا ههنَا كمَا فعلُوا (الشافعية) فِي مسألةِ مدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمدٍّ ودرهَمٍ، وقالوا: قدْ يجعلُ وسيلةً إلى ربَا الفضل بأنْ يكونَ المدُّ فِي أحدِ الجانبينِ يساوِي بعضَ مدٍّ فِي الجانبِ الآخَر فيقعُ التفاضلُ. فياللهِ العجَب! كيفَ حُرمتْ تلكَ الذريعةُ وأبيحتْ تلكَ الذرائعُ الموصلةُ إلَى ربَا النسيئةِ خالصًا؟!
وأينَ مفسدةُ بيعِ الحليةِ بجنسهَا ومقابلةِ الصياغةِ بحظِّها مِن الثمنِ إلَى مفسدةِ الحيلِ الرَّبويةِ التِي هيَ أساسُ كلِّ مفسدةٍ وأصلُ كلِّ بليَّة، وإذَا حصحصَ الحقُّ فليقلِ الجاهلُ مَا شاءَ، وباللهِ التوفيقُ." [1] "
واشترطَ المالكيةُ للمنعِ أنْ يكونَ مِن أهلِ العينَةِ.
المنحى الخامس:
تقريرُ مرتبةِ الحكمِْ ونوعِ الحكمِ مناطِ الأمرِ والنَّهيِ.
كترجيحِ الجمهورِ أنَّ أمرَ كتابةِ الدين: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَـ?كْتُبُوهُ} [2] للندبِ والاستحبابِ لأنَّ الدينَ ملكٌ للدائنِ يمكنُ أنْ يسقطَه فلاَ يجبُ أنْ يوثِّقه، خلافًا للطبري والظاهرية.
وكذلكَ كتابةُ الرقيقِ فِي قولِه تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [3] ؛ يرى الجمهورُ أنَّ الأمرَ للندبِ؛ لأنَّه لاَ يجبُ عليهِ بيعُه وأنَّ قضايَا المواساةِ ترجعُ إلَى الندبِ والاستحبابِ وطيبِ النفسِ والخاطرِ؛ خلافًا لمَا رُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، ومَا ذهبَ إليهِ الطبريُّ.
(1) - ابن القيم إعلام الموقعين 1/ 142 - 143
(2) - سورة البقرة، الآية 282
(3) - سورة النور، الآية 33