كانَ الأمرُ أَو النهيُ تعبديًّا لا يُعقلُ معناهُ فيتوقفُ عندَ حدِّه، أوْ هوَ معقولَ المعنَى وغيرَ خاصٍّ بمحلِه فيُبحثُ عنْ علَّتِه.
إنَّ هذِه الخطوةَ مثَّلتْ قطبَ اختلافٍ بينَ العلماءِ فِي عشراتِ النصوصِ، كالأمرِ بغسلِ الإناءِ مِن ولوغِ الكلبِ؛ بينَ التعبُّدِ عندَ المالكيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ الجمهورِ فيفيدُ النجاسةَ.
والنهيِ عَن بيعِ الطعامِ قبلَ قبضِه؛ بينَ التعبُّدِ عندَ المالكيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ الجمهورِ تبعًا لابنِ عبَّاس:"وأحسب أن كل شيء كالطعام".
والأمرِ بالإيتارِ فِي الاستبراءِ مِن الخبَثِ؛ بينَ التعبُّد عندَ الحنابلةِ والشافعيةِ ومعقوليةِ المعنَى عندَ المالكيَّة فيكفِى إنقاءُ المحلِّ.
وكذلكَ مسألةِ تأجيلِ السلمِ؛ بينَ التعليلِ بحوالةِ الأسواقِ فيجبُ أنْ يكونَ الأجلُ طويلًا نسبيًا ليكونَ مظنَّةً لحوالةِ الأسواقِ، كخمسةَ عشرَ يومًا عندَ ابنِ القاسمِ، وإذا وُجدتِ العلةُ بسبيلٍ آخرَ غيرِ الأجلِ كاشتراطِ تسليمِ المسلَمِ فيهِ فِي مكانٍ بعيدٍ يُظنُّ أنَّ الأسعارَ تختلفُ فيه عنها في محلِّ عقدِ السلمِ فينزَّلُ المكانُ منزلةَ الزمانِ. خلافًا للأحنافِ الذينَ لمْ ينظروا إلى التعليلِ بحوالةِ الأسواقِ، وبالتالِي يُكتفَى بثلاثةِ أيَّامٍ عندَهم، ولا عبرةَ عندهم بتغيرِ المكانِ، كما يُفهم مِن كلامِ ابنِ رشدٍ فِي بدايةِ المجتهدِ.
المنحى العاشر:
السكوتُ الدالُّ على العفوِ دليله:"إنَّ اللهَ فرضَ فرائضَ فلا تضيعوها ونَهى عَن أشياءَ فلا تنتهكوهَا وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عَن أشياءَ رحمةً بكمْ لاَ عَن نسيانٍ فلاَ تبحثُوا عنها". [1]
وهو حديثٌ حسنٌ، أخذ منه الشاطبيُّ مرتبةَ العفوِ باعتبارِها قسمًا مستقلًا.
(1) - أخرجه الدار قطني والطبراني وابن عبد البرِّ في جامع بيان العلم 2012 والبيهقي في السنن الكبرى