المنحى الرابع عشر: فهم مقصد الشارع من دلالة اللفظ سواء كان لفظ الشارع أو لفظ راوي الحديث مما يرتب حكمًا تختلف درجته باختلاف الصيغ كاستعمال لفظ"نهى"فإنها تدل على أن الحكم المترتب على النهي ليس بالقوي لقيام الاحتمال وبسبب الاجمال أو ما سماه الزركشي بالعموم لأن النهي قد يدل على الكراهة أو التحريم فما هو كدلالة النهي"بلا تفعل"الدالة على التحريم"."
وسمى القاضى ابن العربي الصيغة الأولى بالنهي من الدرجة الثانية والصيغة الثانية"لا تفعل"بالنهي من الدرجة الأولى وذلك في مسألة النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فحديث ابن عمر فيه نهي وحديث زيد بن ثابت فيه"لاتبايعوا .."لكنه ورد في آخر حديث زيد"كالمشورة لهم"فأثرت في قوة النهي مما أثار حفيظة ابن العربي قائلًا: لكنه عقب عليها بما غير الدليل وأتعب في التأويل فقال: كالمشورة لهم فجعل ذلك زيد في ظاهر الحديث رأيًا عرضه لا نهيًا حرمه [1] .
ثامنًا: قد يؤثر مقصد عام يلاحظه المجتهد من خلال نصوص عدة في الحد من تأثير مقصد خاص ليخفف من اطراده ومن الحاحه في كل المحال ومن هذا القبيل تأثير الحاجة في ممنوعات ضعيفة نسبيًا لاستثناء الشارع من عمومها ولقوة المصلحة المعارضة تقدم على العلة المانعة يقول ابن العربي: القاعدة السابعة: اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم ومن ذلك استثناء القرض من تحريم بيع الذهب بالذهب إلى أجل وهو شيء انفرد به مالك لم يجوزه أحد من العلماء سواه لكن الناس كلهم اتفقوا على جواز التأخير فيه من غير شرط بأجل وإذا جاز التفرق قبل التقابض بإجماع فضرب الأجل أتم للمعروف وأبقى للمودة.
وعول في ذلك علماؤنا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلًا كان فيمن كان فبلكم استسلف من رجل ألف دينار إلى أجل فلما حل الأجل طلب مركبًا يخرج فيه إليه فلم يجده فأخذ قرطاسًا وكتب فيه إليه ونقر خشبة فجعل فيها
(1) - ابن العربي ... القبس ... 2/ 778