دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه واستقام فهمه وكان فقهاء الصحابة تلقت أصول الطاعات والآثام من المشهورات التي أجمع عليها الأمم الموجودة يومئذ كمشركي العرب كاليهود والنصارى فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة لمياتها ولا البحث عما يتعلق بذلك أما قوانين التشريع والتيسير وأحكام الدين فتلقوها من مشاهدة مواقع الأمر والنهي كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها بطول المخالطة والممارسة وكانوا في الدرجة العليا من معرفتها ومنه قول عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يصل النافلة بالفريضة بهذا هلك من قبلكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب وقول ابن عباس رضي الله عنهما في بيان سبب الأمر بغسل يوم الجمعة وقول عمر رضي الله عنه وافقت ربي في ثلاث وقول زيد رضي الله عنه في المنهي عنها إنه كان يصيب الثمار مراض قشام دمان الخ وقول عائشة رضي الله عنها لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل وأصرح طرقها ما بين في نص الكتاب والسنة مثل [1] .
أجمل ابن رشد أسباب النهي في البيوع فقال: وإذا اعتبرت الأسباب التي من قِبَلها ورد النهي الشرعي في البيوع وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تئول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد وذلك أنَّ النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع لا لأمر من خارج. وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج؛ فمنها الغش؛ ومنها الضرر؛ ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه؛ ومنها لأنها محرمة البيع [2] .
(1) - الدهلوي حجة الله البالغة ... 1/ 288
(2) - ابن رشد ... الهداية على بداية المجتهد ... 7/ 161