واستحسانِ المالكيةِ جوازََ إسقاطِ الدينِ عنِ المدينِ مقابلَ زكاةِ الدائنِ إذَا كانَ للمدينِ مالٌ يمكنُ أنْ يَقضِيَ بِه الدينَ، وعدمِ إجزاءِ الزكاةِ إذَا كانَ مُعدمًا.
المنحى الثامن:
الفرقُ بينَ المصلحةِ المعتبرةِ والمصلحةِ الملغَاة، وإنْ كانَ يُعرف بدليلِ الإلغاءِ فإنَّه يعرفُ كذلكَ بمقابلةِ مصلحةٍ بمفسدةٍ أوْ بمصلحةٍ أقوَى. وهيَ قاعدةُ ارتكابِ أخفِّ الضررينِ، وترجيحِ أعظمِ المصلحتينِ. قال في مراقي السعود:
.وألغِ إنْ يكُ الفسادُ أبعدَا
أو رجِّحِ الإصلاحَ كالأسارَى تُفدَى بمَا ينفعُ للنصارَى
وهذا ما نسميهِ الآنَ بفقهِ الموازناتِ والأولوياتِ، وكلُّه مبنيٌّ علَى المقاصدِ.
منها مسائلُ في فقهِ الأقلياتِ: فقوةُ المؤمنِ مقصدٌ شرعيٌّ"المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبٌّ إلى اللهِ مِن المؤمنِ الضعيفِ" [1] ، ولكنَّ تعاطيَ البيوعِ الفاسدةِ وبعضِ المناكِر للمقيمِ فِي ديارِ غيرِ المسلمينِ ولوْ كانَ يمنحُ الجماعةَ ثراءً ومكانةً إلاَّ أنَّ مفسدتَه تغلبُ المصلحةَ المتوخَّاة. وهيَ مِن المسائِل المعروضَة لأنظارِ العلماءِ المعاصرينَ.
وكذلكَ منعُ بعضِ الشافعيةِ الانتقالَ مِن دارِ الكفرِ إذَا كانَ المسلمُ يستطيعُ إقامةَ شعائرِه باعتبارِ أنَّها بوجودِه دارُ إسلامٍ، وإذَا انتقلَ تغيَّر وصفُ الدَّار؛ باعتبارِ إقامةِ دارِ الإسلامِ -ولو بهذِه الطريقةِ- مقصدًا شرعيًا. (يراجع في ذلك كتابُنا: صناعةُ الفتوَى وفقهُ الأقليات) .
المنحَى التاسع:
بينَ التعبدِ ومعقوليَّةِ النصِّ: إنَّ هذَا المنحَى ليسَ تكرارًا للقياسِ؛ إذْ أنَّه مرحلةٌ سابقةٌ للقياسِ؛ إذْ أنَّ الخطوةَ الأولَى قبلَ البحثِ عَن العلَّة هيَ تقريرُ ما إذا
(1) - أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة رقم 2052 وابن ماجه في السنن رقم 79 وأحمد في المسند رقم 370 وغيرهم.