القرطبي: (لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخوف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفروا منها، وحسن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلما يفلح من كان له عيال، لكن لطف الله به، ونجاه لما علم من صحة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسبقه) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 6/ 440] ، ويقول ابن الجوزي: (قال القاضي أبو يعلى: في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، كما يبيح في الخوف على النفس، ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم، وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده، كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقية، وإنما قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن غير تأويل) [زاد المسير 8/ 234] .
وصدق شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي حفظه الله عندما قال"فأف له من قياس، ما أشبهه بقياس الضراط على السلام، الذي تتبناه بعض المذاهب للخروج من الصلاة ..."
ويرى الخروج من الصلاة بضرطة * أين الضراط من السلام عليكمُ""
ثم إنه على الرغم من بعد قولكم عن التحقيق العلمي فإنه يلزمكم منه لوازم شنيعة وهو أنه من ظاهر على النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمظاهرته هذه كافرًا بل هو حقيقة ما تقولون، فيقال: فيلزم أن من قاتله صلى الله عليه وسلم مع الكفار رغبة في الدنيا مع إظهاره للإسلام لا يكون كافرًا كون الجس عليه ومقاتلته كلها مظاهرة والمظاهرة لا يكفر صاحبها -عندكم- إلا إن كانت لرغبة في دين الكفار ومحبة للكفر، فبالله عليكم لو أن رجلًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه ونطق بالشهادتين والتزم أداء الفرائض لكنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني معك في دينك هذا مؤمن بك مصدق لما تقول، لكني رجل من قومي أقاتل من قاتلوا، وأحارب من حاربوا، فإن توجهوا تلقاءك وقاتلوك قاتلتك ومن معك! أيحكم له النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام؟ أم أنها الأخرى بيقين. فلو قُدر أن ذات الرجل خرج فعلًا للمقاتلة مع قومه أكان ما أظهره من الإيمان مانعًا من تكفيره؟ أم هو كافر ولا بد؟؟
واقرأ نقل القاضي عياض الإجماع على حكم هذه المسألة، يقول عليه رحمة الله في كتابه الشفاء (2/ 1069) : (من أضافَ إلى نبينا صلى الله عليه وسلم تعمُّد الكذبِ فيما بلَّغه وأخبر به، أو شك في صدقهِ، أو سبهُ، أو قال: إنه لم يبلِّغْ، أو استخفَّ به، أو بأحدٍ من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتلَ نبيًا، أو حاربه، فهو كافرٌ بإجماعٍ) ، والمسألة لمن تأملها وتدبرها