فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 201

ولذلك فإن السلف كانوا إذا وردت الآية وأراد المستدل بها المعنى الأول - الجور - أوّلوها وحملوها على الكفر الأصغر، وإن استدل بها على المعنى الثاني - التبديل والتشريع - أبقوها على ظاهرها أي الكفر البواح الحقيقي ... مع أن الأصل في الآيات؛ أنها تتناول الكفر الأكبر البواح الذي مارسه اليهود حين اتّفقوا واجتمعوا وتواطئوا على أحكام غير أحكام الله. ولذلك قال البراء بن عازب رضي الله عنه - كما في صحيح مسلم - بعد أن ذكر قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، و {الظّالمون} ، و {الفاسقون} قال: (في الكفار كلها) .

فلو أن الخوارج أوردوها في موضعها على من شرّع أو وقع في ما وقع به اليهود؛ لما أنكر عليهم السلف ولأبقوا الكفر فيها على حقيقته ولما أوّلوها [1] ... لكنّ ذلك لم يكن موجودًا في ذلك الزمان حتى يخوضوا فيه، ولو كان موجودًا لما أوردوا عليه مثل هذه الآية الظنية الدلالة التي تحمل المعنيين، بل لأوردوا نصوصًا قطعية الدلالة لا تحتمل إلا المعنى التشريعي التبديلي، كقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} ، وقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، وقوله تعالى: {أَفَحُكمَ الجَّاهِلِيًّةِ يَبْغُونَ} ، وقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .

لكنّ شيئًا من هذا لم يكن موجودًا عند الخلفاء في زمن الخوارج وابن عباس، ومن ثم فلا يحل إيراد ردّ الصحابة عليهم في ذلك المقام وتنزيله على شرك هذه الحكومات وكفرها البواح في هذا الزمان، ومن فعل ذلك فقد لبّس الحق بالباطل والنور بالظلام بل هو - ورب الكعبة - على خطر عظيم، لأن لازم ذلك أنّ ما كان ينتقده الخوارج على الصحابة والخلفاء الرّاشدين هو من جنس شرك هؤلاء الحكام الكافرين، وفي هذا تكفير للصحابة أجمعين في هذا الزمان.

(1) حديث البراء بن عازب قال: (مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودي مُحمّم مجلود فدعاهم رسول الله فقال:"أهكذا حد الزنا في كتابكم؟"فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال:"أُنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزنى في كتابكم؟"فقال: لا والله ولو لا أنك ناشدتني لم أخبرك، نجد حد الزنى في كتابنا الرجم لكنه كثر في أشرافنا، فكُنّا إذا زنا الشريف تركناه وإذا زنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ فقلنا: تعالوا نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع فأجمعنا على التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فقال: فأمر به فرُجم، فأنزل الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، {الظالمون} ، {الفاسقون} ، قال البراء:(في الكفار كلها) ، وتأمل قوله (فأجمعنا) وليس هو: فاستحللنا كما يموّه مرجئة العصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت