فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 201

"وإنما يكون مانعا وعذرا إن كان من الجهل الذي لا يتمكن المكلف من دفعه أو إزالته ..."

أما ما كان متمكنًا من إزالته، فقصر وأعرض ولم يفعل فهو جهل من كسبه غير معذور به، ويعتبر كالعالم به حُكمًا، وإن لم يكن عالمًا في الحقيقة .. فإن هذا هو حال المعرض عن دين الله، وهو من بلغه كتاب الله الذي علقت به النذارة، فأعرض عن تعلمه أو النظر فيه، لمعرفة أهم المهمات التي خلقه الله من أجلها ... قال تعالى (( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ) )وقال تعالى: (( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) )

فمن بلغه القرآن، ووصلته التذكرة فأعرض عن التوحيد، وارتكس في حمأة الشرك والتنديد، فهذا لا يعذر بجهله لأنه هو الذي كسبه بإعراضه .. والعلماء متفقون على عدم عذر المعرض إن تمكن من العلم، وإنما الخلاف بينهم في عذر من لم يتمكن من ذلك، وهو خلاف عديم الجدوى فيما نحن فيه، لأن دين الله قد بلغ الآفاق، وكتاب الله بل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبينه له، محفوظان، ومظنة تعلم ذلك كله موجودة ميسرة لكل أحد، فلم يبق والحال كذلك إلا جهل الإعراض، خصوصًا فيما اشتهر من دين الإسلام وعرف وذاع وشاع ليس بين المسلمين فقط، بل وحتى بين اليهود والنصارى وغيرهم؛ كالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام وقطب رحاه.

ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي (684هـ) : (ان كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل) أنظر الفروق (4/ 264) وأيضًا (2/ 149 - 151) .

ويقول ابن اللحام: (جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزمًا) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .

وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..

(و) الأدلة الشرعية قد دلت على أن نقض أصل التوحيد بالكفر البواح أو بالشرك الصراح الواضح المستبين المعلوم بالضرورة إنكاره في دين المسلمين، والذي لا يخفى على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت