من أحكام الإفرنج ومن تلقى عنهم ومن أعجبته مساعيهم في خدمة المادة والتشمير عن الساعد في توفيرها صورة سواء أوافق ذلك الشرع أم خالفه.
وإن كانوا يخدعون عباد المادة والذين لا مُبالاة لهم بسلوك الجادة بجعل تحكيمها والرجوع إليها اختياريًا لا إجباريًا، ولعمر الله لقد جاء صاحب هذه الكلمة شيئًا فريًا، متى كان التخيير في التحكيم إلى المتحاكمين وأن لهم تحكيم من اتفقوا على تحكيمه من حاكم شرعي وغير شرعي، أوليس الله يقول {فلا وربِّكَ لا يُؤْمنُون حتَّى يُحكِّمُوك فيما شجر بينهمْ} الآية [1] ، فإن الضمير وهو الوارد في قوله: {يُحَكِّمُوكَ} المراد به المتخاصمون، فليس الأمر إليهم في ذلك، بل لا يسوغ لهم أبدًا أن يرجعوا عند التنازع وينتهوا عند التخاصم إلا إلى الشرع المحمدي، والتحاكم إليه وهو التحاكم إلى حملته الحاكمين به.
وما أشبه هذه الكلمة السيئة المتضمنة ما تقدم بما قد اشتهر قديمًا عند بعض رؤساء القانونين من تخييرهم الخصمين عندما يرفعان الشكاية إليهم من قوله: تريد الشرع الشريف، أو القانون المنيف؟ ما أشبه الليلة بالبارحة؟
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها سقته أمها من لبانها
أما يوقظنا ما أوقع الله بالحكومات التي استحسنت القوانين من إبادة خضراهم، والعقوبات التي جعلت بقاء ما معهم من الدين الإسلامي شذر مذر وأسماء لا حقيقة، كما جعلت دولاتهم كذلك، عوقبوا على تحكيمهم غير الشرع في بعض أمورهم حتى انتهت الأحوال بهم إلى أن لا حكم بينهم في كل شيء إلا القوانين الملفقة من قوانين (جانكيز خان) وغيره من رؤوس الدول الأخرى كالروس والإنجليز وسائر الدول الكفرية، والطوائف البعيدة عن الأصول والنصوص الشرعية.
ولا يظن أن في الشرع المحمدي أي شيء من حرج، لا في محللاته ولا في محرماته، ولا في حكمه وأحكامه ومعاملاته، كما قال تعالى: {وما جعَل عليكُم في الدِّين من حرج ... الآية [2] } . بل هو اليسر كل اليُسر، والأمر الذي لا استقامة للمسلمين ولا فلاح لهم إلا بتحكيمه، نعم لا يتفق أبدًا من أغراض المبطلين الشخصية وأرباب الهلع في اقتناص المادة بشتى الطرق الجائرة الظالمة، وليس يسر الدين أنه يتفق مع أهل الإرادات الكفرية والاعتقادات الإلحادية، والمعاملات الربوية، والحيل المحرمة الردية، وحاشاه أن يتفق مع أغراض
(1) سورة النساء آية 65.
(2) سورة الحج آية 78.