فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 201

إليه، إنه ليس كفرًًا ينقل عن الملة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] كفر دون كفر)""

ثم ناقش حفظه الله الأثر من الناحية الحديثية وبين أنه يوجد نظر في ثبوته من الناحية الحديثية، ثم قال بعد ذلك:

"هذا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية، فنقول: أن قول ابن عباس هذا إن صح - إذ قد صح قريب من معناه عن غيره - فهو رد على الخوارج الذين أرادوا تكفير الحكمين، وعلي ومعاوية ومن معهما من المسلمين لأجل الخصومة والحكومة التي جرت بينهم في شأن الخلافة والصلح وما جرى بين الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري .. إذ تلك الحادثة كانت أول مخرجهم - كما هو معلوم - فقالوا: (حكّمتم الرجال) : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] [1] ولا شك أنهم مخطئون في ذلك ضالون .. إذ ذلك الذي وقع بين الصحابة ولو جار بعضهم فيه على بعض ليس بالكفر الذي ينقل عن الملة بحال، وقد بعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج يناظرهم في ذلك، فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فقال: نقمتم من الحكمين وقد قال الله عز وجل: {فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها} [النساء: 35] الآية. فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم."

فعمد مرجئة العصر إلى تلك المقولة المنسوبة لابن عباس وما شابهها من أقوال أخرى لبعض التابعين .. كطاووس وابنه وأبي مجلز والتي كانت كلها في شأن الخوارج .. وطاروا بها كل مطير، لينزلوها زورًا وبهتانًا في محل غير محلها وواقع غير واقعها ومقام غير مقامها.

بدليل أن هذه اللفظة التي يحتج بها هؤلاء، فيها قول ابن عباس مخاطبًا أناسًا بعينهم، عن واقعة بعينها: (إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه) ، فلفظة (الذي تذهبون) خطاب للخوارج ومن تبعهم في زمانه، في واقعة معلومة معروفة .. فقوله إذًا ليس في تفسير الآية، وإنما في المناط الخطأ الذي علّقها الخوارج خطأ فيه، بدليل أن الآية أصلًا تتكلم عن الكفار المبدّلين لشرع الله يهودًا كانوا أو غيرهم وسيأتي تفصيل هذا .. فهل يُعقل أن يقول ابن عباس أو غيره من أهل الإسلام في تبديل اليهود أو غيرهم لحكم أو حد من حدود الله - كالدية أو

(1) لما قرىء كتاب التحكيم على الناس وسمعه عروة بن حدير أخو أبي بلال قال: (أتحكّمون في دين الله الرجال(لا حكم إلا لله) وشد بسيفه، فضرب دابة من قرأ الكتاب، وكان ذلك أول ما ظهر الخوارج. انظر الفرق بين الفرق في (ذكر المحكمة الأولى) والبداية والنهاية (7/ 278) وغيرها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت