الدلالة [1] على كفر المشرعين وكونهم طواغيت وأربابًا تعبد من دون الله، كقوله تعالى: {إن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] ، وقوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وقوله تعالى: {ولا يُشرك في حكمه أحدًا} [الكهف: 26] ، ونحوها مما لم يكن ليخفى على من كان يحقر الصحابة قراءتهم للقرآن إلى قراءته، أو قوله تعالى: {وألا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله} [آل عمران: 64] ، وقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله .. } [التوبة: 31] ونحوها .. ولكنهم لم يذكروا شيئًا من ذلك، لأنه لم يكن شيئًا منه ليتنزل على واقعتهم تلك .. وما كان مثل هذا ليخفى على ابن عباس أصلًا لو أن واقعتهم كانت حولة - كيف وهو حبر القرآن - وراوي سبب نزول قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] .
فقد روى الحاكم بإسناد صحيح عنه رضي الله عنه أنه قال: [إن ناسًا من المشركين كانوا يجادلون المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون: (تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله؟) فقال تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] . فدل على أن المشرع أو متبع تشريع غير الله ولو في مسألة واحدة أنه مشرك كافر بالله، بخلاف الحاكم أو القاضي الجائر الذي لم يتخذ شرعًا ولا دينًا غير دين الله [2] ولا جعل لنفسه أو لغيره حق التشريع مع الله. فيحكم بغير ما أنزل الله بمعنى الظلم والجور والهوى لا بمعنى التشريع والاستبدال فهذا لا يعدو كونه حاكمًا ظالمًا جائرًا ولا يكفر ولو حكم بمثل هذه الصورة مئات المرات ما لم يستحله .. ].
فلو كانت قضيتهم مثل طامتنا لما كان رضي الله عنه ليتردد - لا هو ولا غيره من الصحابة طرفة عين، في تكفير من فعله، إذ أنهم يعرفون جيدًا أن التشريع ولو في قضية أو مسألة واحدة فيما لا يجوز إلا لله شرك بالله أكبر وكفر فوق كفر وظلم فوق ظلم وفسق فوق فسق، بل إن مجرد صرف حق التشريع أو ادعائه لأحد من الخلق (الأمير أو الرئيس أو الملك أو الشعب أو مجلسه) شرك وكفر أكبر سواء شرّع أم لم يشرّع، وسواء تابع صارف ذلك تشريعهم أم لم
(1) النص القطعي الدلالة: هو ما دل على معنى متعين فهمه منه ولا يحتمل تأويلًا ولا مجال لفهم معنى غيره منه. والظني الدلالة: هو ما دل على معنى ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف عن هذا المعنى ويراد منه معنى غيره.
(2) ولمثل هذا المعنى أشار أبو مجلز في قوله عن شرع الله: (هو دينهم الذي يدينون به) في مناظرته مع الخوارج مشيرًا إلى ولاة زمانه الذين لم يشرعوا دينًا غير دين الله ولا استبدلوا ولا قننوا، وإنما صدرت منهم بعض الهفوات التي أراد الخوارج تكفيرهم بها .. وراجع الآثار في ذلك في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله .. } [المائدة: 44] من تفسير الطبري وتعليقات محمود شاكر عليها ..