فمن فقَدْ قوة الْغَضَب، يصبح جبانَا ضعيفًا، وذليلًا حقيرًا لا يأنف من العار ولا يهمه، ولا يتألم لأذى السفهاء، يتطاول السفهاء والفسقة علي حرمه، فلا يغار لعرض، ولا يغضب لشرف، فيكون تيسًا في صورة إنسان، وجمادًا لا إحساس له، ولا شعور.
ولَيْسَ الحِلم في شَيْء، وإنما هُوَ جبن وخور وذلة وقَدْ ورد عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يدخل الْجَنَّة ديوث، قَالُوا وما الديوث يَا رَسُولَ اللهِ قال الَّذِي لا يغار علي أهله.
وَقَالَ سعد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ لو وجدت مَعَ أهلي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: نعم، فَقَالَ كلا والَّذِي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذَلِكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يَقُولُ سيدكم، إنه لغيور وأنَا أغير منه والله أغير مني.
وإذا لم يغضب الإِنْسَان لعرضه ضاعت الأنساب واختلطت الأولاد، وكل أمة تموت الغيرة فيهم لابد وأن تضيع العفة، والصيانة من نسائها، وهَذَا هُوَ الضعف والخور والعجز، والجبن، الَّذِي استعاذ منه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وكيف تذم رجلًا يغضب لدينه، إذا رأي المنكرات، وقَدْ أمر بمحاربتها وكيف يصلح المرء عيوب نَفْسهِ إذا لم يغضب عَلَيْهَا، ويشتد في ردها عن هواها.
أما الْغَضَب المذموم فهو الَّذِي يعمي صاحبه عن الحق، ويفقده بصر البصيرة، والفكر فتأخذه العزةُ بالإثم، ويعرض عن النصح إذا نصح، وَرُبَّمَا زَادَ هيجانًَا، وإذا روجع فَيَقُولُ ازداد سخطًا ولجاجًا.
وقَدْ يحدث منه ضرر علي من حوله، وتجده متغيرًا لونه، مرتعشة أعضاؤه، زائغًا بصره، وكالأعمى يسب الجماد والْحَيَوَان، ويبطش بكل ما يصادفه، حتى إنه يتلف الأثاث، والرياش، وَرُبَّمَا لا يشفي غله، وقَدْ يحدث منه طلاق، ولعن وسب، وشتم، فهَذَا غضب مذموم قبيح مرذول ينتصر فيه إبلَيْسُ علي هَذَا الَّذِي لا يملك نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَب كما قيل:
وَمَا غَضَبُ الإِنْسَانِ إِلاَّ حَمَاقَةٌ ... إِذَا كَانَ فِيْمَا لَيْسَ للهِ يَغْضَبُ
ومثل هَذَا الْغَضَب يهدم الجسم، ويتلف الصحة، ويحرم صاحبه الرَّاحَة والهناء ويجعل نظرته إلي الحياة مظلمة سوداء فالتفريط في الْغَضَب ضعف، والإفراط تهور وجنون، والمحمود منه الوسط والاعتدال والقصد المحمود منه أن يكون غضبك للدين فإذا اعتدي قوم علي الإسلام بالطعن والتشهير أو التشكيك في العقائد كما يحاول الملحدون وكما يفعل المبشرون فيجب أن تغضب عَلَيْهمْ انتصارًا لديننا ودفاعًا عن شرعنا.