فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 172

السفاهة، لأن للحق قوة وسلطانًا على العقول، ولأن للرشد قوة وسلطانًا على القلوب. وخطة السفاهة ترغي وتزبد ولا حق يدعمها، ولا فضيلة تزينها، أو إلى القلوب تقرِّبها.

إنه لأمر طبيعي في الملاحدة - بعد أن جحدوا وجود الله تبارك وتعالى وهو مصدر الدين والمنزل لتعاليمه- أن يعتبروا ما جاء في الدين من أخبار صادقة أمورًا خيالية، وأن يتهموا الدين بأنه بديل خيالي عن العلم، لكن البراهين العلمية نفسها تلزمهم بالإيمان بالله لو كانوا مخلصين حقيقة للعلم، إنهم يهربون من الدين إلى التذرع بالعلم، وحينما تردهم البراهين العلمية إلى الدين يراوغون ويخادعون، فيترددون في منطقة مظلمة لا تشرق عليها أنوار الدين ولا تشرق عليها أنوار العلم، ويعصبون أعينهم عن الحقيقة وينادون بالإنكار، والإنكار موقف سلبي تجاه الحقيقة، لا يكلف صاحبه أكثر من كلمة: لا أعترف، أو أنكر، أو أجحد، أو هذا غير صحيح، أو العلم لا يقبله، أو العقل لا يقبله، أو نحو ذلك، وكلما جئته بدليل عقلي أو علمي قال: لا أسلم، أو هذا دليل غير كافٍ، أو لم يعطني قناعة كافية.

ولكن إذا لم يكلفه الإنكار غير مثل هذه الأقوال عند المناظرة فسيكلفه الكثير الكثير عند الجزاء العادل، وسيكلفه خسارة سعادته الأبدية، وحمل ثقل الشقاء الخالد مع العذاب الأليم، دون أن يحقق لنفسه أي كسب في الحياة الدنيا من موقفه السلبي الإنكاري.

وإن أقول له ما قال الله في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول) :

{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُو ا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ياعِبَادِ فَاتَّقُونِ} .

لقد كان من الأهون عليه يوم الجزاء لو آمن وعصى، وعرَّض نفسه لعقاب العصيان فقط، وحَمَى نفسه من عقاب الكفر الذي لا نهاية له، هذا إذا كان الدافع له إلى سبيل الكفر رغبته بالفجور، والانطلاق في تلبية أهوائه وشهواته. أما إذا كان العناد والكبر هما الدافع له إلى الإلحاد والكفر فهذا شيء آخر لا دواء له إلا التنازل عن الكبر والعناد، أو ليتحمل نتيجة كبره وعناده.

وحين قال (د. العظم) :"إن الدين بديل خيالي عن العلم، ولكن تنشأ المشكلة عندما يدَّعي الدين لنفسه ولمعتقداته نوعًا من الصدق لا يمن لأي بديل خيالي أن يتصف به".

فقد اعترف ضمنًا بأنه لا يمكن لأي بديل خيالي أن يظفر بالثقة التي يظفر بها الدين، بما في ذلك الآراء الإلحادية التي يجهد الملحدون بزخرفتها وتزيينها، ومد الأصبغة والطلاءات عليها.

والسر في ذلك أن الدين حق، ولا يستطيع الباطل أن يظفر بما يظفر به الحق.

وأما كون الدين يدعي لنفسه ولمعتقداته الصدق فهذه قضية خاضعة للقياس البرهاني، إذا كانت المعارف الديِّنة مما تستطيع الوسائل الإنسانية الحسية أو الاستدلالية أو العقلية المجردة التوصل إليها. وهنا نجد التلاقي التام بين الثابت من العلم والثابت من الدين. أما غير الثابت من هذا أو ذاك فليس صالحًا من أساسه لأن يقف موقف اليقين والمعارضة، بل هو احتمال قد يكون راجحًا وقد يكون غير راجح.

وحينما يخبر الدين بأخبار صحيحة ثابتة يقينية عن أمور غيبية لا تستطيع الوسائل الإنسانية التوصل إليها بإثبات أو نفي، فهي أخبار ليس من حق العلم الإنساني أن ينفيها، ولكن لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت