فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 172

بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية، وبين تراثها الديني السحيق، دون أن تتنازل كليًا ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية"."

يا عجبًا، وأية علاقة للتقدم الصناعي بموضوع إثبات الله أو نفيه؟ وأية علاقة أيضًا للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بهذا الموضوع نفسه؟

لكنه صاحب مذهب معين أعماه التعصب لمذهبه، فصار يحشر كل العبارات التي يرددها رفاقه في كل مكان، ولو لم يكن لها أدنى علاقة بالموضوع، حتى لو رأى العالم الطبيب الجراح في غرفة العمليات يجري عملية خطيرة في القلب لقال له: ما هذه العملية الرجعية؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد تتطلب الرجوع قبل إجراء العملية إلى مفاهيم الحزب الثوري الذي بنى على المعرفة العملية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة. ولو رأى الأم ترضع ولدها وتحنو عليه وكان هو لا يرغب بذلك لأطلق العبارات نفسها، فقال لها: ما هذا التخلف؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد المبنية على المعرفة العلمية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة تتناقض مع هذه العملية الرجعية السحيقة في القدم تناقضًا كليا، فعملية إرضاع الأمهات أطفالهن تطبيق مناقض للعلم والاتجاهات الثورية، وهي قائمة على تصور باطل للكون والحياة والإنسان، لا سيما نظرية التطور، والثورة الفرنسية، والحقائق العلمية التي اشتمل عليها كتاب"أصل الأنواع"لداروين، وكتاب"رأس المال"لكارل ماركس.

فهو كلما رأى شيئًا يخالف مذهبه الباطل أو يخالف هواه جاء بهذه العبارات نفسها فرددها دون وعي لمضمونها، ودون ملاحظة أية مناسبة بينها وبين الموضوع الذي يستعملها فيه.

وقد ذكرني هذا بقصة الثري الغبي وبائع الببغاء، قالوا: مرَّ ثريٌ غبي على بائع الطيور النادرة فوجده يعرض للبيع ببغاء تتكلم كل شيء، حتى إنها تتكلم بمختلف اللغات، فتعلقت نفس الثري الغبي بشرائها، ولكنه أراد أن يستوثق من البائع عن صحة دعواه، فقال له البائع الخبيث سل الببغاء فإنها تجيبك. فقال الثري لها: يا ببغاء أحقًا أنك تتكلمين كل اللغات؟ فأجابته الببغاء: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: فهل تتكلمين الفرنسية فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: والإنكليزية؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فانخدع بالأمر فاشتراها بثمن عظيم إذ استغل البائع الخبيث غفلته. ولما انصرف إلى بيته دعا أقرانه من الوجهاء والأعيان ليطلعهم على تحفته الجديدة، وأخرجها إليهم وقال لهم: كلموها تجبكم بكل شيء، فجعلوا يكلمونها فلا تجيب إلا بقولها: وهل أنت في شك من ذلك؟ عندئذٍ قال لها الثري: لقد كنتُ غبيًا جدًا بل حمارًا إذ اشتريتك أليس كذلك؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟

وهذا هو الجواب الوحيد الذي صدقت به، وما كان لها أن تصدق بغيره، لأن بائعها لم يُعلمها غير هذه العبارة.

وكم نشاهد في الحزبين المتعصبين ببغاوات، لا يفقهون إلا عبارات محفوظة يرددونها بمناسبة وبغير مناسبة، حتى ولو كان أحدهم من الطلائع المثقفة التي تحمل شهادات كبيرة، فالتعصب الحزبي المذهبي أخطر عمىً فكري تصاب به المجتمعات الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت