فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 172

يعانون توترًا فكريًا وقلقًا خطيرًا حول السؤال التالي: هل وجود الدجاجة كان سابقًا لوجود البيضة؟ أم وجود البيضة كان سابقًا لوجود الدجاجة؟

الحقيقة أن الملحدين هم الذين يعانون من القلق والتوتر، ويقعون تحت وطأة التناقض بين الحقيقة وبين ما اختاروا لأنفسهم من مذهب باطل من جهة، وبين العناد والخوف من المصير من جهة أخرى، وهذا يظهر في حالات العنف الذي يبدو في تصرفاتهم، والاضطراب الشديد الذي تعاني نفوسهم منه، لأن عقولهم الباطنة وجذور ضمائرهم لا تستطيع أن تنكر الحقيقة، بينما لا تستطيع نفوسهم المجرمة وشهواتهم العارمة أن تسلِّم بها، فهم بذلك يقعون في حالات الصراع الداخلي العنيف، الذي لا يحلُّه إلا العناد والإمعان في الجريمة، وتجاهل المصير الخطير المؤلم الذي يقذفون بأنفسهم إليه، ويبدو بعد ذلك صفرة كالحة في وجوههم، وحقدًا على الناس في معاملاته، ووحشية عجيبة حين يظفرون.

أما المؤمنون فهم - على العكس من كل ذلك- يظلون مطمئنين في كل أحوالهم، ولا يوجد في داخلهم تناقض بين الحقيقة وما يعتقدون، ويشعرون دائمًا بالأمن تجاه مصيرهم، لأن الله قد ضمن لهم الجنة بإيمانهم، وحينما يقلقون بعض القلق من المعاصي التي قد يفعلونها تأتي مفاهيم التوبة ورجاء الغفران فتمسح عن نفوسهم القلق، وتعيد لها طمأنينتها ثقة برحمة الله وعفوه، ومشاعرهم نحو الناس تتدفق بالمحبة والرحمة وإرادة الخير والهداية للناس كل الناس. وحينما يجدون خلافًا بين ما يقوله واضعو النظريات العلمية وما يقوله المجتهدون في فهم النصوص الدينية فإنهم يقولون: إن الحقيقة واحدة، لا تتعدد، والدين لا يلزمنا باعتقاد غير الحقيقة. فلا بد أن يكون الخطأ فيما سمي نظرية علمية ونسب إلى الحقيقة العلمية نسبة غير صحيحة، أو فيما نسب إلى الدين وهو في الواقع اجتهاد خاطئ في فهم النصوص، أما ما هو يقيني في الدين وما هو يقيني في العلم فإنه لا يوجد فيه خلاف مطلقًا، ومعظم الأمور الطبيعية الكونية سكت عنها الدين، لأن البحث الإنساني سيصل إليها بنفسه، وكثير من الأمور الغيبية الكبرى لا يستطيع البحث العلمي أن يصل إليها بنفسه، أو أن يحدد صفاتها وخصائصها، لذلك فهو يعتمد فيها على الدين ولا يستطيع أن يحكم عليها بإثبات أو نفي.

وحينما يتجاوز العلم الإنساني حدوده، ويحاول أن يصدر أحكامًا بإثبات أشياء أو نفيها لا تملك وسائله إثباتها أو نفيها، فإن المؤمنين بالدين يقولون للبحث العلمي: قف ولا تتعد حدودك. لذلك فحينما يأتي باحث إنساني فيحكم على تاريخ الإنسان حكمًا يغلي فيه آدم وحواء وقصتهما في نشأة هذه السلالة البشرية فإن المؤمنين بالدين يقولون له: لقد تجاوزت حدود وسائلك التي تكسبك المعارف الصحيحة، ووقعت في التخيلات الذهنية التي ليس باستطاعتها أن تقدم حقائق علمية.

لست أدري ما هي الحقائق العلمية الثابتة القائمة على أدلة يقينية والتي تستطيع أن تلغي فكرة آدم وحواء وقصتهما الواردة في النصوص الدينية؟ أما الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية فليس من شأنها أن تثبت حقائق علمية، ما دام يوجد ما يناظرها ويكافئها في عالم الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية.

الواقع أنه لا توجد حقائق علمية تنفي آدم وحواء وقصتهما، أما الداروينية فإنها فرضية لا تمثل الحقيقة من جهة، ولا تملك أدلة إثبات صحيحة، ولا تستطيع أن تنقض خبرًا دينيًا، أو تقوى على ما يفهم من ظاهره حتى نلجأ إلى تأويله بما يتفق مع الحقيقة العلمية، لذلك فإن المؤمنين بالدين لا يعانون تناقضًا في هذه المسألة بين عقيدتهم الدينية ومفاهيمهم العلمي، إنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت