يقولون للعم: تابع بحثك حتى تصل إلى اليقين العلمي، الذي لا يرتبط بتقدم في المعرفة أو في الصناعة، أو في الاختراع والإبداع، أو في الحضارة وسعادة الإنسان، وليس من شأن الخلاف العلمي فيها أن يحدث قلقًا وتوترًا، حتى يعطيه سيادة الناقد كل هذه الأهمية.
ولكن كيف يجد الملاحدة مشكلات يهزون بها واقع الصدقة المتينة بين الإسلام والعلم؟ إنهم إذا لم يجدوها في الواقع فلا بد أن يصطنعوها بالتزوير والكذب، وبإيجاد النظريات التي ينسبونها إلى العلم، والعلم منها بريء، ويسخِّرون لترويجها عناصر كثيرة يشترونها بوسائلهم المختلفة.
وأما اعتقاد المؤمنين بالجحيم والنعيم فهو موضوع يتصل الإيمان باليوم الآخر، وقد شرحنا هذا الموضوع سابقًا شرحًا كشفنا فيه زيف جحود الملحدين، وأوضحنا فيه أن الملحدين لا يملكون أي دليل عقلي أو علمي يستطيعون أن ينفوا به الحياة الأخرى وما فيها من جزاء، بيد أن المؤمنين هم الذين يملكون الأدلة لما يؤمنون به.
فلا نزاع بين العلم والدين، ولكن النزاع بين الإيمان العلمي وبين الكفر الجاهل المخادع الذي يلبس أثواب العلم زورًا وبهتانًا.
وأما معجزات الرسل فقضية تتصل بقدرة الله الخالق القادر على تغيير ما يشاء من أنظمة كونه، لإثبات قضية الإيمان لعباده وتصديق رسله فيما يبلغون عنه، وهذه قضية لا تتعارض مع العقل ولا مع العلم الصحيح.
يتابع الناقد (العظم) إصراره المستميت على ادعاء وجود التناقض بين الإسلام والعلم، فنجده يعرض أقوال بعض الباحثين المسلمين الذين يوضحون أنه لا نزاع ولا تناقض بينهما، ثم يعلق عليها بأنها توفيقات خطابية، أي: لا تعتمد على أدلة علمية، بينما لا يأتي هو بأي دليل علمي أو منطقي يثبت فيه ادعاءاته الباطلة، ويكتفي بالخطابيات والتقريرات، والأكاذيب والمغالطات.
إنه حينما أراد التعليق على كلام جيد للدكتور الشهيد صبحي الصالح لم يجد إلا دليلًا سفسطيًا أضعف من الدليل الخطابي بكثير.
يقول في الصفحة (34) من كتابه تعقيبًا على ما قاله الدكتور الشيخ صبحي الصالح:
"إذا صح قول الدكتور الصالح بأن الباحث يجد في الإسلام ما يريح قلبه وأعصابه، ويرضي فكره وفلسفته، حول الإنسان وطبيعة الحياة وحرية الإرادة ضمن المشيئة الإلهية، تكون المشكلة قد انحلت أصلًا وسلفًا، ولا داعي لكل هذا الضجيج حول انسجام الإسلام مع العلم الحديث، وكل هذا الهجوم على الإلحاد والملحدين، وكل هذا الاهتمام والجدل والنقاش حول مشاكل الشباب المسلم، أمام تحديات الحياة العصرية والقرن العشرين".
لا يخفى على أي ناظر ما في هذا الكلام من سفسطة واضحة، ومغالطة مكشوفة.
إن الضجيج يأتي من غوغائية الملحدين، الذين يحاولون أن يقيموا الحرب بين الإسلام والعلم، ليفتنوا الشاب المسلم عن دينهم ولا يأتي من قبل الباحثين الإسلاميين ضد العلم الصحيح، ولئن وجد شيء من الضجيج من قبل بعض المسلمين فهو ضد النظريات المدسوسة على العلم، وهي تخالف العقائد والمفاهيم الإسلامية، على أن هذه النظريات لا يتحمل العلم اليقيني وزرها.
ومن هنا تأتي سفسطة (العظم) فبينما يكون البحث في دائرة التحليل للحقائق على مستوى النظرة المجردة، البعيدة عن الحدود الضيقة لآراء الناس، إذا به يستدل بآراء الناس المختلفة