حالهما ملكان ظهرا على صورة آدميين، على أن في كونهما ملكين وفي تعليمهما الناس السحر خلافًا عن المفسرين، ومهما يكن من أمر فليسا كما زعم (العظم) نقلًا عن كتب الماركسيين أنهما من الكائنات غير المرئية، بل كانا شخصيتين مرئيتين، وكانت لهما قصة مشهورة في تاريخ الناس، وتوارث الناس عنهما أو عن غيرهما علمًا ما زالت له رواسب معروفة عند بعض المخصصين بعلم السحر، وإذا كان يجهل ذلك فليسأل سحرة اليهود فإنهم يخبرونهم.
وقد تعرض القرآن لقصتهما في معرض الكلام على بني إسرائيل في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) : فقال تعالى:
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَاكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}
وهكذا ظهر لنا جهل (د. العظم) الفاضح في المسألة الثانية التي يردد ألفاظها، وهو لا يعلم مضمونها، ثم يتصدى لنقدها وفق تصور خيالي لديه.
أما تساؤلها عن الملائكة والجن وإبليس فهذه فعلًا كائنات غير مرئية بالنسبة إلى مستواك إدراك الناس، والملحد بالله وبالدين وبالأخبار الواردة في الدين الحق ينكر هذه الكائنات لأن العلم الحديث لا يملك حتى الآن أدلة إثبات لها.
ولكن هل استقصى العلم المادي الحديث كل ما في الوجود من كائنات وأسرار، حتى يدعي نفي وجود ما لم يشاهده بوسائله؟
لو كان الأمر كذلك لكان على العلماء الباحثين أن يتوقفوا عن متابعة البحث، الذي يضنون أنفسهم فيه لاكتشاف مجاهيل من الطاقات والكائنات الكونية التي يدركون أنهم ما يزالون يجهلونها، لكنَّ هذا لا يدعيه عالم يقدر العلم ويحترم نفسه.
إن العلوم الحديثة لا تملك حتى الآن أي دليل تستطيع أن تنفي به وجود الجن أو الملائكة، بيد أن كثيرًا من التجارب الإنسانية تثبت وجود كائنات خفية روحية غير مدركة بالحس، وغير مدركة بالأجهزة العلمية، على أن إنكار المنكرين لها لا يؤثر على وجودها شيئًا، كما أن إنكار المنكرين لعالم الجراثيم والميكروبات المرئية وغير المرئية لا يؤثر على وجودها في العالم شيئًا.
إن دليل المؤمنين على وجود الملائكة، ووجود الجن مؤمنيهم وكافريهم وشياطينهم ومردته أخبار صادقة جاءت عن الله، بطريق الوحي، وبلَّغها الرسل الصادقون المؤيدون بالمعجزات، كما شاهدوهم واتصلوا بهم بتجاربهم الخاصة، فالمؤمنون بهم إنما يؤمنون تصديقًا لخبر الله الصادق، ولأخبار الرسل الصادقين، والقضية من أساسها تقع في دائرة الممكنات العقلية لا المستحيلات، فالعمدة فيها الخبر الصادق، على أن للناس تجارب كثيرة من هذا القبيل، ولكن هذه التجارب ليست هي عمدة المؤمنين، لأنها لم تصل إلى مستوى البرهان العلمي.
يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (39) والتي تليها من كتابه: