فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 172

"من الآيات القرآنية التي يحب الموفقون ترديدها في معرض كلامهم عن انسجام الإسلام والعلم الحديث: الوصف القرآني التالي لأصل الإنسان وتكوينه: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة * فخلقنا العلقة مضغة * فخلقنا المضغة عظامًا * فكسونا العظام لحمًا * ثم أنشأناه خلقًا آخر * فتبارك الله أحسن الخالقين} ".

[سورة المؤمنون: الآيات 12 - 14]

ثم قال تعليقًا على هذا النص القرآني ما يلي:

"من الجلي أن عملية نمو الخلية البشرية بالنسبة إلى هذا الوصف القرآني تعتمد على التدخل المباشر والمستمر من قبل الله لنقلها من طور آخر، أي إن نقلها من نطفة إلى علقة يحتاج إلى عملية خلق جديدة، كما أن نقلها من طور العلقة إلى طور المضغة يحتاج كذلك إلى عملية خلق أخرى ... إلخ."

وخلاصة القول هو أن نمو الخلية البشرية يشكل معجزة إلهية لا تعليل لها سوى قدرته المطلقة على الخلق، وتدخله المباشر في سير أمور الكون. هل يتفق هذا الوصف والتعليل مع معارفنا العلمية عن الموضوع، ومع ما يبينه لنا علم الأجنَّة حول تطور الخلية البشرية في مراحلها الأولى؟ الجواب حتمًا بالنفي، لأن علم الأجنة لا يدع مجالًا للشك في أن الخلية تنمو بالتطور العضوي من طور إلى آخر، وفقًا لقوانين طبيعية معينة، بحيث تنمو المرحلة المتأخرة من صلب المرحلة السابقة عليها، وعلى أساس معطياتها الأولية، كل ذلك بصورة تسمح لنا بالتنبؤ بتطور الخلية، وبالمراحل المستقبلة التي ستمر بها، وتمكننا من التحكم بنموها، بحيث نستطيع تأخيره أو إسراعه أو تشويهه (إن شئنا ذلك) بتعريضها لمواد كيماوية معينة، أو لأنواع محددة من الأشعة، وكم كنت أود لو لم يكتفِ الموفقون الدينيون العمليون بمجرد الاستشهاد بالوصف القرآني لنمو الخلية، وتعدوا ذلك لإيضاح رأيهم في كيفية انسجام هذا الوصف، مع معارفنا العلمية الثابتة عن هذه الظاهرة الطبيعية"."

يبدو أن سيادة الناقد ومعه سائر الملحدين الماديين محرومون من منطق التطور العلمي الذي يمكن أن يهدم جميع قواعد إلحادهم، ومحرومون أيضًا من المنطق العقلاني المتجرد الباحث عن الحقيقة.

فحينما يكتشف العلماء ارتباط الظواهر الطبيعية بأسبابها الطبيعية التي تحتاج هي أيضًا إلى تفسير، فهل يعني هذا إلغاء حقيقة الخلق الرباني الكامن وراء الأسباب الطبيعية؟ وحينما يقرر القرآن أن لله تبارك وتعالى هو الذي يخلق الأحداث الكونية، فهل معنى ذلك أن عملية الخلق تأتي بشكل مباشر، دون توسط قوانين وعلل وأسباب أوجدها الله في نظام الطبيعة، واختار أن يكون أسلوبه في عملية الخلق كذلك. إن من يرفع الشيء بيده مباشرة يقال عنه: قد رفعه، ومن يرفعه بوساطة حبل يقال: قد رفعه، ومن يرفعه بوساطة سبب غير مرئي كقوة كهربائية أو مغناطيسية يقال: قد رفعه، والخلق يكون بشكل مباشر، ويكون عن طريق القوانين والأسباب والعلل غير الفاعلة بذاتها.

فكلام (العظم) القائم على تصور أن النص القرآني لا يعترف بنظام الأسباب والعلل والقونين الطبيعية كلام فاسد من الوجهة العقلية البحتة، لأن الخلق لا يقتضي دائمًا أن يكون عملية مباشرة، دون أن توجد أسباب اختارها الخالق ليتم عن طريقها أسلوبه في الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت