والإخلاص فضيلة في نفسه، ولا ينزل في نفس إلا حيث تنزل فضائلُ كثيرةٌ؛ فالإخلاص يَمُدُّ قلبَ صاحبه بقوة؛ فلا يتباطأُ أن ينهضَ للدفاع عن الحق، ولا يبالي في دفاعه إذا أصابه ما أصابه.
والإخلاصُ يشرحُ صدر صاحبه للإنفاق في بعض وجوه البر؛ فتراه يؤثرها بجانب من ماله وإن كان به خصاصة.
والإخلاص يعلم صاحبَه الزهد في عَرَضِ الدنيا؛ فلا يُخشى منه أن يناوئ الحقَّ، أو يُلْبِسَهُ بشيء من الباطل، ولو أمطر عليه أشياع الباطل فضةً أو ذهبًا.
والإخلاص يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا؛ فلا يفصل في قضية إلا بعد أن يتبين له الحق.
والإخلاص يوحي إلى الأستاذ أن يبذلَ جُهْدَه في إيضاح المسائل، والرقي بأخلاق الطلبة، وأن لا يبخل عليهم بما تسَعُهُ أفهامُهم من المباحث المفيدة، وأن يسلكَ في التدريس الأساليبَ التي تجددُ نشاطَهم للتلقي عنه. …… =
= والإخلاص يصون التاجر عن أن يخون الذي يأتمنه في صنف البضاعة أو قيمتها، ويحمل الصانع على إتقان عمله حسب الطاقة.
والإخلاص يردع قلم الكاتب عن أن يقلب الحقائق، أو يكسوها لونًا غير لونها؛ إرضاءًا لشخص أو طائفة.
هذه بعض مآثر الإخلاص؛ فحقيق علينا أن نربي أنفسنا ومن تحت أيدينا على فضيلة الإخلاص، وأن نلقن ناشئتنا ماذا يناله المخلص من حمدٍ وكرامة وحسن عاقبة؛ لكي يَخْرُجَ لنا رجال مخلصون يقوم كل منهم بالعمل الذي يتولاه بحزم وإتقان (1) .
ولهذا كانت الأعمالُ الظاهرةُ تتفاضل عند الله بتفاضل ما يقوم بالقلوب من الإيمان والإخلاص (1) .
1_ قوله: =ولهذا+ إلى قوله: =الإخلاص+: هذه إشارة إلى قاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع لمن تدبرها، وأعطاها حقها؛ فقد تكون صورة العمل واحدة بين شخص وآخر وبينهما من الأجر ما بين السماء والأرض.
(1) انظر أدب الطلب، للشوكاني ص 133، ورسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين 1/ 9_12.