وقال: =التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة؛ إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة؛ فصار كل ذنب عمله زائلًا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة؛ فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار؛ فتأمّلْه؛ فإنه من ألطف الوجوه.
وبناءًا على هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وهذا من أسرار التوبة ولطائفها+ (1) .
وعلى هذا فإنه قد يُثار تساؤل عن سبب تبديل سيئاته حسنات، وقد يُقال:
ولعل الجواب ما تضمنه كلام المؤلف رحمه الله من أن الأعمال تتضاعف إذا ترك الإنسان ما تشتهيه نفسه من الشهوات المحرمة إذا تركها خالصًا من قلبه. =
= ولا ريب أن كثرة المعاصي تضعف القلب، وتحول دون التوبة الصالحة الخالصة النصوح؛ لأن الذي يقع في الذنوب الكثيرة الكبيرة _ يقوى تعلُّقه بها، ويصعب خلاصه منها؛ فإذا أراد التوبة منها، والإقلاع عنها _ كان محتاجًا إلى قوة إخلاص وإرادة، وقوة قهر للنفس ومنازعة لها.
فإذا اقتحم تلك العقبة، فقدع نفسه، وقهرها، وتجرَّع مرارة الصبر، وغُصَصَ الحرمان _ كان جديرًا بتلك الكرامة، ألا وهي تبديل السيئات حسناتٍ.
قال ابن القيم رحمه الله: =وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله _ عز وجل _ من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم.
(1) مدارج السالكين 1/ 311.