وهكذا من عَرَف البدع والشرك والباطل وطرقه، فأبغضها لله، وحذرها، وحذَّر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تخدش وجه إيمانه، ولا تورثه شبهة، ولا شكًا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها، ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله، ولا تمرُّ بقلبه؛ فإنه كلما مرَّت بقلبه، وتصوَّرت له ازداد محبة للحق، ومعرفة بقدره وسرورًا به؛ فيقوى إيمانه به.
كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلَّما مرَّت به، فرغب عنها إلى ضدِّها ازداد محبةً لضدِّها ورغبة فيه وطلبًا له وحرصًا عليه؛ فما ابتلى الله _سبحانه_ عبدَه=
=المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي، وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها، وخير له، وأنفع، وأدوم، وليجاهد نفسه على تركها له _ سبحانه _ فتورثه تلك المجاهدةُ الوصولَ إلى المحبوب الأعلى.
فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات، واشتدَّت إرادته لها وشوقه إليها _ صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم؛ فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم، بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك؛ فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم.
ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى إليه راكبًا على النجائب! فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره؛ فهو _ سبحانه _ يبتلي عبدَه بالشهوات، إما حجابًا له عنه، أو حجابًا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته+ (1) .
وقصةُ أصحاب الغارِ شاهدةٌ بذلك (1) .
(1) الفوائد، لابن القيم ص163.