وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه؛ فالرياء _وإن دقَّ_ محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر، وكونُ العملِ غيرَ مقيدٍ باتباع السنة ـ أيضًا ـ موجبٌ لكونه باطلًا، والمنُّ به على الله ـ تعالى ـ بقلبه مفسدٌ له، وكذلك المن بالصدقة، والمعروف، والبر، والإحسان، والصلة مفسدٌ لها +.
إلى أن قال رحمه الله: =فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها، ويبطلها ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد، ويحرص على عمله، ويحذره+ ا _ هـ. (1)
ويدخل في الأعمالِ الصالحةِ التي تتفاضل بتفاضل الإخلاص _ تركُ ما تشتهيه النفوس من الشهوات المحرمة إذا تركها خالصًا من قلبه، ولم يكن لتركها من الدواعي غيرُ الإخلاصِ (1)
1_ هذا مثال من أمثلة كثيرة يتضح فيها تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من الإخلاص؛ فكلما عظمت الرغبة في الشهوة المحرمة، وتاقت النفس إليها، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيها، وتَرَكَها الإنسانُ لله _ عز وجل _ عظم أجره، وتضاعفت مثوبته.
وربما تركها عجزًا، أو خوفًا من الناس، أو ما جرى مجرى ذلك من الأمور التي تركها لأجلها دون أن يكون باعثه في الترك الإخلاصَ لله؛ فهذا ترك الشهوة المحرمة، ولكن ليس له أجرٌ في تركه.
والفرق بين سبب الترك عند الأول والثاني هو الإخلاص؛ فانظر كيف تضاعف أجر الأول، وكان قصارى أمر الثاني السلامة من الإثم مع أن صورة العمل الظاهرة واحدة.
والشواهد والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدًا، وسيورد المؤلف شاهدًا على ذلك ألا وهو قصة أصحاب الغار.
ولأجل ذلك كان للتائب إذا حسنت توبته نصيبٌ غير منقوص من هذا المعنى العظيم ألا وهو مضاعفة الثواب؛ لأنه ترك ما تميل إليه نفسه من الشهوات المحرمة. …………………… =
(1) الوابل الصيب لابن القيم 19_21.