فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 107

= فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عمٍّ من أحب الناس إليَّ، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله، ولا تفض (1) الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا؛ ففرج الله عنهم، فخرجوا+. (2)

والشاهد من هذا الحديث واضح جلي؛ فالأول ترك المال الكثير _ مع ما جبلت عليه النفوس من حب المال، ومع استطاعته ألا يتركه لصاحبه _ إخلاصًا لله.

والثاني ترك سقي أولاده مع حاجتهم، وشدة عطشهم؛ برًا بوالديه، وإخلاصًا لربه.

والثالث ترك مواقعة ابنة عمه _ مع تمكنه من الفعل، ومع شدة تعلقه بها، وحبه لها _ إخلاصًا لله _ عز وجل _.

فهؤلاء الثلاثة تركوا أشياء يحبونها لله، فقبل الله منهم ذلك، وكان من صالح العمل الذي يدعى به، ويكون سببًا لإجابة من دعا به.

وهذا يدل على أن التروك داخلةٌ في الإخلاص، وأنها تُسمى أفعالًا على=

=الصحيح كما في قوله _ تعالى _: [لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] المائدة:63.……

ثم إن في التروك للمحرمات مراغمةً للشيطان، وتحليًا بالصبر، ومنازعة للنفس الأمارة بالسوء.

ولا يخفى ما في ذلك من مضاعفة الثواب.

(1) لا تفض الخاتم: لا تفض: لا تكسر، والخاتم: كناية عن عذريتها، وكأنها كانت بكرًا وكنَّت عن الإفضاء بالكسر، وعن الفرج بالخاتم.

(2) البخاري (3465) ، ومسلم (2743) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت