فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 59

-وقد روي من حديث عائشة رضي الله عنها: أن امرأة دخلت عليها، فلما قامت قالت امرأة:"ما أطول ذيلها!"، فقالت لها عائشة:"لقد اغتبتها، فاستحلِّيها [1] ".

فدلَّت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظلمة يجب على المغتاب استحلالها.

وانتصر القرطبي رحمه الله للرأي الأخير، وأخذ يفند ويرد على الأقوال الأخرى المتقدمة، فقال رحمه الله:

"وأما قول من قال:"إنما الغِيبة في المال والبدن"، فقد أجمعت العلماء على أن على القاذف للمقذوف مظلمةً يأخذه بالحدِّ حتى يقيمه عليه، وذلك ليس في البدن ولا في المال، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العرض والبدن والمال، وقد قال تعالى في القاذف: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13] ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( مَن بهت مؤمنًا بما ليس فيه، حبسه الله في طينة الخبال [2] ، وذلك كله في غير المال والبدن."

-وأما من قال:"إنها مظلمة، وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها"، فقد نَاقَضَ إذ سمَّاها مظلمة، ثم قال:"كفارتها أن يستغفر لصاحبها"؛ لأن قوله:"مظلمة"تثبت ظُلامة المظلوم، فإذا ثبتت الظلامة، لم يُزلها عن الظالم إلا إحلال المظلوم له.

وأما قول الحسن، فليس بحجة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها منه ) ).

وقد ذهب بعضهم إلى: ترك التحليل لمَن سأله، ورأى أنه لا يُحِلُّ له ما حرَّم الله عليه، ومنهم سعيد بن المسيَّب، قال:"لا أحلل مَن ظلمني"، وقيل لابن سيرين:"يا أبا بكر، هذا رجل سألك أن تحلَّه من مظلمة هي لك عنده"، فقال:"إني لم أُحرِّمها عليه فأحلها، إن الله حرَّم الغِيبة عليه، وما كنت لأحل ما حرَّم الله عليه أبدًا [3] "، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يدل على التحليل، وهو الحجة والمبيِّن، والتحليل يدل على الرحمة،

(1) ) الحديث رواه البيهقي في"الشعب"ولفظه:"عن عائشة بنت طلحة بن عبيدالله قالت:"دخلت على عائشة وعندها أعرابية، فخرجت الأعرابية تجر ذيلها، فقالت ابنة طلحة: ما أطول ذيلها! فقالت عائشة: اغتبتِها، أدركيها تستغفر لك"."

(2) ) قطعة من حديث رواه الطبراني في"الكبير" (12/ 388) ولفظه: (( ومَن بهت مؤمنًا أو مؤمنة، حبسه الله في رَدْغة الخبال يوم القيامة، حتى يخرج ممَّا قال، وليس بخارج ) (وقال الهيثمي في"المجمع"(10/ 91) :"رواه الطبراني في"الكبير والأوسط"، ورجالهما رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي، وهو ثقة". اهـ

(3) ) قال الإمام النووي مُعلِّقًا على ما جاء عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين:"هذا ضعيف أو غلط"، فإن المبرِّئ لا يُحلِّل مُحرَّمًا، وإنما يسقط حقًّا ثبت له، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو، وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، أو يحمل كلام ابن سيرين على:"أني لا أبيح غيبتي أبدًا"، وهذا صحيح؛ فإن الإنسان لو قال:"أبحتُ عرضي لمَن اغتابني"لم يصر مباحًا، بل يحرم على كل أحد غيبةُ غيره، وأما الحديث: (( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا خرج من بيته، قال: إني تصدَّقْتُ بعرضي على الناس ) )، فمعناه: لا أطلب مظلمتي ممَّن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء، فأما ما يحدث بعده فلا بد من إبراء جديد بعدها، وبالله التوفيق".اهـ (من الأذكار: ص: 298، وحديث أبي ضمضم المذكور رواه أبو داود: برقم 4886،4887 عن قتادة) ، (وقال الألباني:"صحيح مقطوع كما في صحيح أبي داود: 3/ 924) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت