واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة، فإنه لا يزيد إلا أذًى وحنقًا وغمًّا، وقد كان مستريحًا قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وأورثته ضررًا في نفسه أو بدنه، كما قال الشاعر:
فإن الذي يؤذيك منه سماعه = وإن الذي قالوا وراءك لم يُقَل
وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه، فضلًا عن أن يوجبه ويأمر به.
قالوا: وربما كان إعلامه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له أبدًا، ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولِّدة لشرٍّ أكبر من شرِّ الغِيبة والقذف، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم والتعاطف والتحابب.
قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين، أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنه محض حَقِّه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغِيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس.
والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذِه، ولم تُهِج منه غضبًا ولا عداوة، بل ربما سرَّه ذلك، وفرح به، بخلاف إعلامه بما مَزَّق به عِرضه طول عمره ليلًا ونهارًا، من أنواع القذف والغِيبة والهجو، فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد، وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت، والله أعلم".اهـ؛ (مدارج السالكين: 1/ 315 - 317) ."
وقال رحمه الله في موضع آخر:
"وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، وهما:"
هل يكفي في التوبة من الغِيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحلله؟
قال: والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار له، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، قال: والذين قالوا: لا بد من إعلامه، جعلوا الغِيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر، فإن الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعَوْدِ نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدَّق بها، وأما في الغِيبة فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصد الشارع؛ فإنه يوغر صدره، ويؤذيه إذا سمع ما رُمِيَ به، ولعله يهيج عداوته، ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله، فالشارع الحكيم لا يبيحه ولا يجيزه، فضلًا عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها".اهـ؛ (نقله عنه السفاريني في غذاء الألباب: 1/ 93) ."
-وقال أبو الليث الفقيه السمرقندي الحنفي في كتابه"تنبيه الغافلين" (ص: 125) :