وقول الله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]
وقوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22، 23] .
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [1] .
قلتُ: فالتشبه المطلق بالكفار كفر؛ لأنه يلزم منه موافقتهم في الكفر، والتشبه بهم في كفرهم كفر أيضًا [2] .
أما التشبه بهم فيما دون ذلك فهو داخلٌ في الوعيد وله نصيبٌ من الذمِّ بحسَب نوع التشبه [3] .
(1) أخرجه أبو داود (4031) في كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة، وأحمد (2/ 50، 92) ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وهو حديث صحيح، راجع: «إرواء الغليل» حديث رقم (1269) .
(2) ومن أمثلة ذلك: ما ذكره القاضي عياض -رحمه الله- حيث قال: (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها، والتزيِّي بزيهم: من شدِّ الزنانير، وفحص الرؤوس؛ فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر، وإن صرح فاعلها بالإسلام) اهـ. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي. بيروت، 1404 هـ- 1984 م، (2/ 588) .
(3) والمقصود بالتشبه المنهي عنه هو التشبه بهم في دينهم وخصائصهم، تقول اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية في إجابة سؤال وُجِّه إليهم: المراد بمشابهة الكفار المنهي عنها: مشابهتم فيما اختصوا به من العادات وما ابتدعوه في الدين من عقائد وعبادات، كمشابهتهم في حلق اللحية وشدِّ الزُّنَّار، وما اتخذوه من المواسم والأعياد، والغلو في الصالحين؛ بالاستغاثة بهم والطواف حول قبورهم والذبح لهم، ودق الناقوس وتعليق الصليب في العنق أو على البيوت أو اتخاذه وَشْمًا باليد مثلًا؛ تعظيمًا له واعتقادًا لما يعتقده النصارى. ويختلف حكم مشابهتهم؛ فقد يكون كفرًا؛ كالتشبه بهم في الاستغاثة بالقبور، والتبرك بالصليب، واتخاذه شعارًا، وقد يكون محرَّمًا فقط كحلق اللحية وتهنئتهم بأعيادهم، وربما أفضى التساهل في مشابهتم المحرمة إلى الكفر -والعياذ بالله) اهـ. فتاوى علماء البلد الحرام، جمع: د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، دار الألوكة. الرياض، ط 17، 1434 هـ - 2013 م، ص 293. ...
قلتُ: ويجب على المسلم أن يجتنب من الألبسة والبُسط والفُرُش وغيرها ما كان عليه شعار الكفار؛ كأعلام الدول الكافرة، أو الصليب، أو غيره مما يتخذه الكفار شعارًا لهم مما يختص بهم في دينهم أو عبادتهم، وإذا تيقن المسلم أن ثوبًا، أو بساطًا، أو ستارًا يحتوي صليبًا فعليه ألا يشتريه؛ فإن اشتراه -قبل أن يراه- فيجب عليه أن يزيله، والله أعلم.
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرامٌ بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب» . أحكام أهل الذمة، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الكتب العلمية. بيروت، ط 2، 1423 هـ - 2002 م، (1/ 234) .
قلتُ: إذا تأملت فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء تبيَّن لك المقصود بالتشبه الممنوع، وعرفت أن التشبه بالكافرين في الأمور الدنيوية النافعة من الصناعات الحديثة والقوة المادية والأمور النظامية لا مانع فيه؛ بل هو مطلوب لأجل أن يتفوق المسلمون على عدوهم وتكون لهم الغلبة عليهم.