ولم يَعتدِ علينا بوجهٍ من الوجوه
وقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
فنهَى في أول السورة عن موالاة الكفار ومودتهم، ثمَّ أمرنا بالبر والقسط مع المسالمين منهم؛ فدلَّ على أن البرَّ في موضعه لا يتنافى مع البراءة من الشرك وأهله، وأن البر شيءٌ، والمودة شيءٌ آخر.
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .
وقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] .
وعن أسماء بنت أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنهما - قالت: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» [1] .
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أَنَّ غُلَامًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمٍ» ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ؛ فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» [2] .
وجاء في حديث أبي حُميدٍ السَّاعدي - رضي الله عنه: جاء رسولُ ابنِ العَلْماءِ -صَاحِبُ أَيْلَةَ- إِلَى َرسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكِتَابٍ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَهْدَى لَه بُرْدًا [3] .
(1) أخرجه البخاري (2620) ، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: الهدية للمشركين، ومسلم (1003) ، كتاب الزكاة، باب: فضل النفقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(2) أخرجه البخاري (5657) ، كتاب المرض، باب: عيادة المشرك، وأبو داود (3095) ، كتاب الجنائز، باب: في عيادة الذمي، واللفظ له. وقد دلَّ الحديث على أن المقصد من حسن معاملتهم هو دعوتهم إلى الإسلام وتأليفهم عليه.
(3) أخرجه البخاري (1481) ، كتاب الزكاة، باب: خرص التمر، ومسلم (1392) كتاب الفضائل، باب: في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -. واللفظ له.