فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 48

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله: (لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار .. إلى أن قال -رحمه الله: أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين؛ فيقع بين الناس فسادٌ منتشرٌ عريضٌ طويلٌ) [1] .

قلتُ: ومن أعظم الفتنة المترتبة على ذلك؛ مؤاخاة الكافرين؛ إذ كيف يتبرأ المسلم من الكافر وهو يقول له: أخي؟! فأُخُوَّةُ الكافر والبراءةُ منه ضدّان لا يجتمعان [2] .

12 -باب: من أحبَّ الكفار لأجل كفرهم أو على كفرهم فهو منهم

وقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] ..

ومن أخصِّ خصائصِ الولاء: الحبُّ، فمن أحبهم لأجل كفرهم فهو محبٌّ لكفرهم، ومن أحبَّ الكفر كَفَرَ، وكذلك (من أحبهم على كفرهم أي: رغم كفرهم، فهو يحبهم رغم أنهم كفار، ويقول: لا قيمة

(1) تفسير القرآن العظيم (2/ 488) .

(2) سئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله رحمة واسعة- عن حكم قول: (يا أخي) لغير المسلم؟ وكذلك قول: صديق ورفيق؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودَّة؟

فأجاب: أما قول: (يا أخي) لغير المسلم فهذا حرام، ولا يجوز إلا أن يكون أخًا من النسب أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع لم يبق إلا أخوة الدين، والكافر ليس أخًا للمؤمن في دينه، وتذكَّر قول نبي الله تعالى نوح -عليه السلام: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 45 - 46] . ...

وأما قول: (صديق رفيق) ونحوهما؛ فإن كانت كلمة عابرة ً يقصد بها نداء من جُهل اسمه منهم فهذا لا بأس به، وإن قُصد بها معناها تودُّدًا وتقربًا منهم؛ فقد قال الله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] فكل كلمات التلطف التي يُقصد بها المودة لا يجوز للمؤمن أن يخُاطب بها أحدًا من الكفار. وكذلك الضحك إليهم لطلب المودة بينهم كما علمت من الآية الكريمة. اهـ مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن. الرياض، 1413 هـ، (3/ 42 - 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت